فجعت الأوساط الأكاديمية والثقافية في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي برحيل المؤرخ السعودي البارز الدكتور عبداللطيف ناصر الحميدان، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 92 عاماً، بعد مسيرة علمية حافلة نذر فيها حياته للبحث والتقصي في زوايا التاريخ غير المكتشفة. وقد ووري جثمانه الثرى في مقبرة النسيم بالرياض، تاركاً خلفه إرثاً معرفياً غنياً يسد ثغرات واسعة في تاريخ شرق الجزيرة العربية والخليج العربي، ومؤكداً على مكانته كواحد من أبرز المؤرخين الذين وثقوا التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة بكثير من التجرد والموضوعية.
الجذور النجدية والنشأة في الزبير: سياق تاريخي فريد
ولد المؤرخ الراحل في حي الزهيرية بمدينة الزبير جنوب العراق عام 1934، لعائلة نجدية عريقة تعود جذورها إلى بلدة جلاجل في إقليم سدير. وتأتي نشأته في هذا الوسط ضمن سياق تاريخي شهد هجرة آلاف الأسر النجدية إلى الزبير لأسباب معيشية واقتصادية، حيث أسسوا مجتمعاً حافظ على هويته النجدية المحافظة في قلب جنوب العراق. امتهنت عائلته التجارة وحظيت بمكانة مرموقة، وكان والده ناصر بن أحمد الحميدان تاجراً معروفاً ومتابعاً نبيهاً للصحافة والثقافة، مما هيأ للابن بيئة خصبة للاطلاع والقراءة منذ صباه الباكر.
وقد ارتبطت عائلة الحميدان تاريخياً بخدمة الدولة السعودية الناشئة؛ إذ اعتمد الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- في مرحلة التأسيس على النخب النجدية المتعلمة في المغترب، وكان من بينهم الوجيه إبراهيم بن حمد الحميدان الذي تولى إدارة جمرك العقير عام 1916، بتنسيق مباشر مع وكيل الملك في الزبير عبداللطيف باشا المنديل، مما يعكس العمق الوطني والريادي لهذه الأسرة العريقة.
المحطات التعليمية والرحلة الأكاديمية العابرة للحدود
بدأ الراحل تعليمه في الكتاتيب التقليدية بالزبير على يد الملا إبراهيم الرميح، ثم تدرج في المدارس النظامية حتى التحق بدار المعلمين العالية في بغداد، حيث تتلمذ على يد قامات فكرية وتاريخية كبرى مثل الدكتور علي الوردي، ومصطفى جواد، وعبدالعزيز الدوري. ولم يقف طموحه عند هذا الحد، بل سافر إلى القاهرة لينال شهادة الماجستير عام 1966، ثم توجه إلى بريطانيا ليحصل على درجة الدكتوراه من جامعة مانشستر عام 1975 تحت إشراف المستشرق الشهير كليفورد بوزورث، عن أطروحته الهامة حول التاريخ السياسي والاجتماعي لبغداد والبصرة.
منهجية عبداللطيف ناصر الحميدان في تدوين التاريخ
تميزت منهجية المؤرخ عبداللطيف ناصر الحميدان بالدقة البالغة والابتعاد الكامل عن القوالب الأيديولوجية الجاهزة. فقد كان زاهداً في الأضواء، عازفاً عن الظهور الإعلامي، مفضلاً الانكباب على البحث في بطون المخطوطات والوثائق العثمانية وسجلات المحاكم الشرعية. وقد وصفه الكاتب مشاري الذايدي بأنه “ناسخ كتب وصانع جواهر علمية”، بينما أشار الأكاديمي مهند المبيضين إلى وقاره العلمي وتجنبه تقديم “فتاوى تاريخية”، بل كان يبحر في التاريخ ليستخرج صوت المجتمعات وتجاربها الاقتصادية والسياسية الحقيقية.
الأثر العلمي والإقليمي لإرث الحميدان التاريخي
تتجلى أهمية إرث الحميدان في كونه أضاء فترات مجهولة من تاريخ شرق الجزيرة العربية والخليج ما بين القرنين السابع والتاسع الهجريين. ومن خلال عمله أستاذاً ورئيساً لقسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض، أشرف على عشرات الرسائل العلمية وشارك في مؤتمرات دولية عديدة. تركت مؤلفاته مثل “تاريخ البصرة والأحساء والقطيف” و”تاريخ مشيخة الزبير النجدية” أثراً بالغاً محلياً وإقليمياً، حيث وفرت مرجعية رصينة للأجيال الجديدة من الباحثين لفهم الجذور التاريخية والروابط الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت منطقة الخليج العربي المعاصرة.

