مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تشهد الشواطئ والمنتجعات إقبالاً واسعاً من العائلات، إلا أن هذا الإقبال يتزامن مع تحذيرات متزايدة من مخاطر المسابح التي قد تتحول لحظات اللهو فيها إلى مآسٍ حقيقية. وتتصدر قضية الوقاية من الغرق اهتمامات المؤسسات الصحية والخدمية، لا سيما مع إحياء اليوم العالمي للوقاية من الغرق، حيث يُسلط الضوء على الإهمال وغياب الرقابة الأسرية كعوامل رئيسية وراء هذه الحوادث المؤلمة التي تسرق أرواح الأطفال في غفلة من ذويهم.
جهود عالمية لمواجهة خطر صامت يهدد المجتمعات
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن الغرق يعد أحد المسببات الرئيسية للوفيات غير المتعمدة عالمياً، حيث يحصد روح شخص واحد كل دقيقتين. وتاريخياً، عانت الكثير من الدول من غياب السياسات الموحدة للحد من هذه الظاهرة، مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2021 إلى اعتماد قرار تاريخي يعلن يوم 25 يوليو يوماً عالمياً للوقاية من الغرق. ويهدف هذا الحراك الدولي إلى تعزيز الوعي، وتقديم حلول عملية منخفضة التكلفة مثل تعليم السباحة الأساسية، وتأمين المسابح العامة والخاصة بحواجز واقية، وتدريب أفراد المجتمع على الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي.
التجربة السعودية الرائدة في الوقاية من الغرق وتحقيق الأمان المائي
على المستوى المحلي والإقليمي، حققت المملكة العربية السعودية قفزة نوعية في هذا المجال عقب اعتماد السياسة الوطنية للوقاية من الغرق في عام 2021. وبفضل تضافر جهود 13 جهة حكومية بقيادة هيئة الصحة العامة “وقاية”، نجحت المملكة في خفض وفيات الغرق بنسبة بلغت 31% حتى نهاية عام 2023. ولم يقتصر هذا الإنجاز على حماية الأرواح البشرية فحسب، بل أسهم أيضاً في تفادي أعباء اقتصادية ضخمة قُدرت بنحو 1.33 مليار ريال سعودي، مما يبرز الأثر الإيجابي الكبير للخطط الوقائية الممنهجة على الاقتصاد الوطني والمجتمع.
معايير أمان صارمة تفرضها وزارة السياحة على المسابح
لضمان بيئة سياحية آمنة، ألزمت وزارة السياحة السعودية ملاك وحدات الضيافة الخاصة، مثل الشقق والفلل والشاليهات، بتطبيق معايير سلامة صارمة كشرط أساسي للحصول على التراخيص. وتشمل هذه الاشتراطات تركيب حواجز حماية متينة ومقاومة للتسلق حول المسابح، مزودة ببوابات ذاتية الإغلاق وأقفال مرتفعة بعيدة عن متناول الأطفال. كما شددت الوزارة على ضرورة العزل الكهربائي التام للتمديدات المائية ووحدات الإضاءة، وتقديم شهادات فحص معتمدة تثبت سلامتها لتفادي حوادث الصعق الكهربائي، بالإضافة إلى توفير أدوات الإنقاذ الأساسية مثل أطواق النجاة وخلو الأرضيات من العوائق والتشققات.
نصائح الخبراء لتأمين المسابح المنزلية والمطاطية
يشدد خبراء الدفاع المدني على أهمية اتخاذ التدابير المنزلية البسيطة التي تقي من الكوارث. وفي هذا السياق، ينصح اللواء متقاعد سالم المطرفي، الخبير في أعمال الدفاع المدني، بضرورة تفريغ المسابح القابلة للنفخ (المطاطية) فور الانتهاء من استخدامها وتخزينها بعيداً عن متناول الأطفال. كما يؤكد على أهمية إزالة الألعاب المائية من داخل المسبح بعد السباحة، لأن وجودها قد يجذب الطفل للعودة إلى الماء بمفرده لمحاولة التقاطها مما يعرضه لخطر السقوط والغرق. ويضيف المطرفي بأهمية استخدام سترات النجاة والعوامات للأطفال والذين لا يجيدون السباحة بشكل ممتاز.
قواعد الإنقاذ الآمن وتجنب المجازفة غير المحسوبة
من جانبه، يحذر اللواء عبدالله جداوي، مدير العمليات السابق بالمديرية العامة للدفاع المدني بمنطقة مكة المكرمة، من محاولة إنقاذ الغريق من قبل أشخاص لا يجيدون السباحة أو فنون الإنقاذ المائي. ويوضح أن الاندفاع العاطفي لإنقاذ شخص آخر دون دراية بالأساليب العلمية قد يؤدي إلى مضاعفة الكارثة وغرق المنقذ نفسه. ويشير جداوي إلى أن الاستراحات والشاليهات المغلقة التي تفتقر للمنقذين المحترفين تتطلب حذراً مضاعفاً من العائلات، داعياً إلى الالتزام التام بالتحذيرات الجوية وتجنب السباحة في الأماكن غير المخصصة أو مجاري الأودية والسيول أثناء هطول الأمطار.
عامل الوقت والإنعاش القلبي الرئوي لإنقاذ الحياة
تؤكد الدكتورة أشواق الأسمري، استشارية طوارئ الأطفال، أن الغرق يحدث غالباً بصمت تام وفي غضون ثوانٍ معدودة، حيث يفقد الطفل القدرة على طلب الاستغاثة بمجرد دخول الماء إلى مجرى التنفس. وتشير الأسمري إلى أن عامل الوقت يعد الفارق الحاسم بين الحياة والموت، أو النجاة دون أضرار دماغية دائمة. وتوصي عند إخراج الغريق بالتحقق فوراً من التنفس والنبض، وفي حال عدم الاستجابة، يجب البدء فوراً بعملية الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) والاتصال بالإسعاف، مع وضع المصاب على جانبه الأيمن (وضعية الإفاقة) إذا كان يتنفس تلقائياً لضمان سلامة مجرى الهواء.
