في تحرك دبلوماسي بارز، جددت دول جوار ليبيا، خلال اجتماع وزاري استضافته القاهرة، رفضها القاطع لكافة أشكال التدخل الخارجي في ليبيا، معتبرةً إياه العامل الرئيسي في تأجيج التوترات وإطالة أمد الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات. وأكد وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس في بيانهم الختامي على أن الحل يجب أن يكون ليبياً خالصاً، نابعاً من إرادة الشعب الليبي، ويهدف إلى إنهاء حالة الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
جذور الأزمة: عقد من الانقسام والتدخلات
لم تكن الأزمة الليبية وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات عقد من الزمان بدأ مع سقوط النظام السابق في عام 2011، والذي أحدث فراغاً سياسياً وأمنياً هائلاً. هذا الفراغ تحول إلى صراع مفتوح بين فصائل متناحرة، مما أدى إلى انقسام حاد في مؤسسات الدولة، بوجود حكومتين وبرلمانين وجيشين متنافسين في شرق وغرب البلاد. وقد استغلت قوى إقليمية ودولية هذا الانقسام لتعزيز نفوذها، حيث دعمت أطرافاً مختلفة بالمال والسلاح والمرتزقة، ما حول الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة، وعقّد مساعي الحل السياسي بشكل كبير.
موقف موحد من القاهرة: لا للوصاية والحل ليبي-ليبي
انطلاقاً من هذا الواقع المعقد، شدد الوزراء المشاركون في اجتماع القاهرة على ضرورة الدفع بالعملية السياسية قدماً تحت رعاية الأمم المتحدة. وأكد البيان المشترك على أن الحل الشامل هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة، داعياً إلى تهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، استجابةً لتطلعات الشعب الليبي في اختيار قياداته وتحديد مستقبله. كما أكد الوزراء على مبدأ الملكية والقيادة الليبية للعملية السياسية، مشددين على أن أي حل يجب أن يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها على كامل أراضيها.
تأثير التدخل الخارجي في ليبيا على أمن الجوار
لا يقتصر تأثير الأزمة الليبية على حدودها، بل يمتد ليشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي لدول الجوار. فالحدود الشاسعة وغير المسيطر عليها بالكامل أصبحت معبراً لتهريب الأسلحة وتسلل الجماعات الإرهابية والمقاتلين الأجانب، مما يزعزع استقرار المنطقة بأكملها. ولهذا السبب، جدد الوزراء دعمهم الكامل لجهود اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وطالبوا بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من الأراضي الليبية ضمن إطار زمني محدد، باعتبار ذلك خطوة لا غنى عنها لتمكين الليبيين من توحيد مؤسساتهم العسكرية والأمنية وبسط سيطرة الدولة على أراضيها.
واختتم الوزراء اجتماعهم بالاتفاق على مواصلة التنسيق والتشاور بشكل دوري ضمن آلية دول الجوار الثلاثية، مؤكدين التزامهم بدعم الأشقاء الليبيين لعبور هذه المرحلة الصعبة وتحقيق الرخاء والتنمية المستدامة التي يتطلعون إليها. وقد تم الاتفاق على عقد الاجتماع القادم في الجزائر، مما يعكس الإرادة المشتركة لمواصلة هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة.


