spot_img

ذات صلة

الدور الأمريكي في حرب أوكرانيا وتغير موازين القوى العالمية

بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الصراع، يشهد المشهد الجيوسياسي تحولات عميقة، حيث تطرح مجلة “فورين بوليسي” تساؤلات جدية حول مدى فعالية الاستراتيجية الأمريكية وتأثيرها المتغير في حرب أوكرانيا. يبدو أن الديناميكيات بين واشنطن وكييف وموسكو قد دخلت مرحلة جديدة، حيث لم تعد موسكو ترى في المسار الأمريكي مدخلاً مضموناً لتحقيق أهدافها، وفي المقابل، أصبحت أوكرانيا أكثر جرأة في انتقاد الوساطة الأمريكية وأكثر قدرة على تقليل اعتمادها على واشنطن.

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى جذور التوتر التي سبقت الغزو الشامل عام 2022. منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، اتسمت العلاقة بين روسيا والغرب بحالة من المد والجزر، لكن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 كان بمثابة نقطة تحول، حيث كشف عن طموحات موسكو لإعادة رسم الخارطة الأمنية في أوروبا. فشلت الجهود الدبلوماسية اللاحقة، بما في ذلك اتفاقيات مينسك، في نزع فتيل الأزمة، مما مهد الطريق أمام حشد عسكري روسي ضخم ومحاولات دبلوماسية محمومة في اللحظات الأخيرة، والتي لم تنجح في نهاية المطاف في منع اندلاع أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

مستقبل غامض للنفوذ الأمريكي في حرب أوكرانيا

في بداية الصراع، كانت واشنطن اللاعب المحوري في حشد الدعم الدولي لكييف وفرض عقوبات غير مسبوقة على موسكو. لكن مع استمرار الحرب، بدأت قدرة واشنطن على الضغط على أوكرانيا تتراجع. فبعد خفض المساعدات الأمريكية بسبب الجدل السياسي الداخلي، وجدت كييف نفسها مضطرة للبحث عن بدائل. وقد نجحت أوروبا في تعويض جزء كبير من هذا النقص، حيث تشير بيانات معهد كيل للاقتصاد العالمي إلى أن الدعم الأوروبي أصبح حيوياً لاستمرار المجهود الحربي الأوكراني، مما قلل من نفوذ واشنطن كوسيط وحيد.

الأمر اللافت، حسب المجلة، هو أن هذا الواقع الجديد زاد من ثقة أوكرانيا بنفسها. فقد وسّعت كييف إنتاجها المحلي من الأسلحة، خصوصاً المسيّرات الاعتراضية والروبوتات الأرضية، وبدأت حملتها ضد روسيا تؤتي ثمارها. بفضل التكنولوجيا الحديثة والابتكار العسكري، باتت أوكرانيا قادرة على استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، مما يضغط على اقتصاد يعتمد بقوة على الطاقة، وتكبيد القوات الروسية خسائر بشرية بوتيرة أسرع مما تستطيع موسكو تعويضه بسهولة.

أوروبا.. وسيط يبحث عن رسالة موحدة

مع تراجع الثقة بالمسار الأمريكي، بدأ كل من كييف وموسكو يبديان انفتاحاً على دور أوروبي أكبر. فقد نقلت “فورين بوليسي” عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حديثه مع رئيس المجلس الأوروبي حول إشراك أوروبا مباشرة في المفاوضات. وطُرحت أسماء مثل المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل ورئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي كوسطاء محتملين. في المقابل، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اسم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع موسكو، وهو اقتراح قوبل بالرفض الأوروبي.

لكن هذه الرغبة في وساطة أوروبية تصطدم بعقبة أساسية: الانقسام الداخلي. فالقارة الأوروبية، رغم امتلاكها المال والخبرة التاريخية، لا تزال تفتقر إلى رؤية موحدة تجاه روسيا. فبينما تتبنى دول البلطيق وبولندا موقفاً متشدداً، تميل عواصم أخرى مثل باريس وبرلين إلى نهج أكثر مرونة. وكما نقلت المجلة عن بيتر سليزكين، مدير برنامج روسيا في مركز ستيمسون، فإن “الأوروبيين ربما بدأوا البحث عن رسول، لكنهم ما يزالون بعيدين عن الاتفاق على الرسالة”. هذا الانقسام هو ما يعيق أوروبا عن وراثة الدور الأمريكي بشكل كامل، ويبقي مستقبل حل حرب أوكرانيا معلقاً في ميزان القوى الدولي المتغير.

spot_imgspot_img