شهدت أسواق المال العالمية حالة من الترقب الحذر، انعكست بشكل مباشر على عوائد السندات الأمريكية التي تراجعت خلال تعاملات يوم الجمعة، بعد أسبوع حافل بالتقلبات الحادة. يأتي هذا التحرك في ظل تزايد التكهنات حول تعيين كيفن وارش رئيساً للفيدرالي الأمريكي، وهو القرار الذي ينتظره المستثمرون لتحديد مسار السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تجدد المخاوف المرتبطة بارتفاع معدلات التضخم.
وقد انخفضت عوائد السندات لأجل عامين، التي تعتبر الأكثر حساسية لتغيرات السياسة النقدية، بمقدار نقطة أساس واحدة لتستقر عند 4.081%. كما شهدت السندات طويلة الأجل تحركات مماثلة، حيث هبط عائد السندات لأجل 10 أعوام بمقدار 2.4 نقطة أساس إلى 4.56%، وتراجعت عوائد الديون الثلاثينية بمقدار 2.6 نقطة إلى 5.087%، وذلك بعد أن لامست في وقت سابق من الأسبوع أعلى مستوى لها منذ عام 2007 عند 5.19%.
أهمية منصب محافظ الفيدرالي في رسم السياسة الاقتصادية
يُعد منصب محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي (الفيدرالي الأمريكي) أحد أهم المناصب الاقتصادية في العالم، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. فقرارات الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة وبرامج التيسير الكمي لا تؤثر فقط على الاقتصاد الأمريكي، بل تمتد تداعياتها لتشمل الأسواق المالية العالمية، من أسعار صرف العملات إلى تدفقات رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة. تاريخياً، كان لكل محافظ بصمته الخاصة التي ترتبط بالظروف الاقتصادية السائدة خلال فترة ولايته، من بول فولكر الذي حارب التضخم الجامح في الثمانينيات، إلى آلان جرينسبان وبن برنانكي وجانيت يلين الذين تعاملوا مع فقاعات اقتصادية وأزمات مالية عالمية.
ماذا يعني تعيين كيفن وارش رئيساً للفيدرالي للأسواق؟
يُنظر إلى كيفن وارش، الذي شغل سابقاً منصب عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، على أنه من صقور السياسة النقدية. يميل الصقور بشكل عام إلى إعطاء الأولوية لمكافحة التضخم عبر تبني سياسات نقدية متشددة، قد تتضمن رفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع وأكثر حسماً. هذا التوجه يجعله خياراً يراقبه المستثمرون عن كثب، حيث إن سياساته المحتملة قد تؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي على المدى القصير ك ثمن لكبح جماح الأسعار. وتفسر هذه الخلفية حالة الترقب في أسواق السندات، حيث إن رفع الفائدة يجعل السندات القديمة ذات العائد المنخفض أقل جاذبية، مما يدفع أسعارها للانخفاض وعوائدها للارتفاع، وهو ما شهدته الأسواق بالفعل خلال الأسبوع.
ولا تقتصر المخاوف على السياسة النقدية فحسب، بل تتزايد الضغوط التضخمية بفعل عوامل خارجية، أبرزها التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والتي تهدد استقرار إمدادات الطاقة. وتتابع أسواق السندات هذه التطورات بقلق، خشية أن تؤدي أسعار الوقود المرتفعة إلى تفاقم الضغوط التضخمية، مما قد يجبر الفيدرالي، تحت قيادة جديدة محتملة، على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. ومن المتوقع أن يؤدي وارش اليمين الدستورية ليصبح رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في وقت لاحق، عقب موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه، ليبدأ حقبة جديدة من السياسة النقدية الأمريكية.


