وسط غموض متصاعد يلف غياب المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، منذ اندلاع الحرب، وتضارب واسع بشأن حجم إصاباته، تستعد إيران لإقامة مراسم تأبين لزوجته وعدد من أفراد أسرته الذين قُتلوا في الغارات الجوية التي استهدفت طهران مع بداية المواجهة العسكرية. هذا الحدث، الذي كان من المتوقع أن يظهر فيه مجتبى خامنئي، زاد من التكهنات حول مصیر مجتبى خامنئي، خاصة مع استمرار غيابه عن الأنظار وتزايد الشائعات حول وضعه الصحي.
مجتبى خامنئي: شخصية محورية في المشهد الإيراني
يُعد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي، شخصية ذات نفوذ كبير في الأوساط السياسية والدينية الإيرانية. على الرغم من عدم شغله لمنصب رسمي بارز، إلا أنه يُنظر إليه على نطاق واسع كلاعب رئيسي خلف الكواليس، وكأحد المرشحين المحتملين لخلافة والده في منصب المرشد الأعلى. هذا المنصب، الذي يجمع بين السلطة الدينية والسياسية العليا في إيران، يجعل أي تطور يتعلق بصحة أو مكانة مجتبى خامنئي ذا أهمية قصوى ليس فقط داخل إيران ولكن على الصعيد الإقليمي والدولي.
تأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية بالنسبة لإيران، حيث تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، وتواجه طهران تحديات داخلية وخارجية متعددة. إن صحة المرشد الأعلى نفسه، الذي يعاني من مشاكل صحية مرتبطة بتقدم العمر، تزيد من حساسية ملف الخلافة وتجعل أي غموض يحيط بوضع نجله محط أنظار المراقبين والمحللين السياسيين.
تضارب الروايات حول صحة مجتبى خامنئي: بين الإصابات الخطيرة والنفي الرسمي
أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن مراسم التأبين ستُقام يومي الخميس والجمعة في ضريح شاه عبدالعظيم الحسني بالعاصمة طهران، بعد مقتل زوجة مجتبى خامنئي، زهرة حداد عادل، إلى جانب شقيقتها وزوجها وابنة أختها، خلال الهجمات التي استهدفت أيضاً والده المرشد السابق علي خامنئي وعددًا من كبار قادة النظام. ومنذ اندلاع الحرب، لم يظهر مجتبى خامنئي علناً في أي خطاب متلفز أو تسجيل صوتي، واقتصرت رسائله على بيانات مكتوبة، ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة بشأن وضعه الصحي، خصوصاً بعد الأنباء التي تحدثت عن إصابته خلال غارات 28 فبراير التي استهدفت مقر إقامة والده في طهران.
تحدثت تقارير إعلامية أمريكية وغربية، مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، عن تعرضه لإصابات بالغة وحروق شديدة منعته من الكلام، وذهبت بعض الروايات إلى دخوله في غيبوبة واحتمال بتر أحد أطرافه، وخضوعه لثلاث عمليات جراحية معقدة في ساقه، وبات بانتظار طرف صناعي، إلى جانب خضوعه لجراحات ترميمية في الوجه واليد والشفتين. كما أشارت التقارير إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيا يتولى «خلية أزمة طبية» للإشراف على حالة خامنئي، مستفيداً من خلفيته كجراح قلب، في وقت يعاني فيه المرشد الجديد من صعوبة بالغة في النطق نتيجة الحروق، بحسب تلك الروايات.
في المقابل، نفت وزارة الصحة الإيرانية صحة الأنباء المتداولة بشأن تعرض مجتبى خامنئي لإصابات خطيرة أو خضوعه لعمليات بتر. وأكد المتحدث باسم الوزارة، حسين كرمانبور، أن الإصابات التي تعرض لها خامنئي جراء الغارات الأمريكية والإسرائيلية أواخر فبراير الماضي كانت «سطحية» وشملت الوجه والرأس والساقين فقط. وأوضح أن مجتبى خامنئي وصل إلى المستشفى عند الساعة الواحدة ظهر يوم 28 فبراير، وتم إدخاله غرفة العمليات برفقة عدد من الجرحى الآخرين، وفق ما نقلته وكالة «إيرنا». وأضاف كرمانبور: «الإصابات لم تتسبب في أي شيء خطير، ولم تستدعِ عمليات بتر أو إجراءات خاصة، باستثناء غرزة أو غرزتين»، مؤكداً من وجهة نظره الطبية أن الحالة لم تكن خطيرة كما تردد في بعض وسائل الإعلام الغربية.
تأثير غياب مجتبى خامنئي على مستقبل القيادة الإيرانية
إن الغموض الذي يكتنف مصیر مجتبى خامنئي يلقي بظلاله على مستقبل القيادة في إيران. ففي نظام يعتمد بشكل كبير على الاستقرار والوضوح في خط الخلافة، يمكن أن يؤدي أي ارتباك حول وضع شخصية بمثل هذا الثقل إلى زعزعة الثقة الداخلية والخارجية. محليًا، قد يؤجج هذا الغموض صراعات القوى الخفية بين الفصائل المختلفة التي تتنافس على النفوذ في مرحلة ما بعد المرشد الأعلى الحالي. إقليميًا ودوليًا، يراقب خصوم إيران وحلفاؤها على حد سواء هذه التطورات عن كثب، حيث يمكن أن تؤثر صحة ومكانة مجتبى خامنئي على استقرار السياسات الإيرانية الخارجية، لا سيما في ظل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط.
إن استمرار غياب مجتبى عن الظهور العلني، واقتصار تواصله على رسائل مكتوبة بخط اليد، كما ذكرت بعض التقارير، يعزز من فكرة محاولة النظام الإيراني إخفاء أي علامات ضعف قد تؤثر على صورته أو على مسار الخلافة. هذا التكتيك، وإن كان يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار، إلا أنه غالبًا ما يؤدي إلى مزيد من التكهنات والتحليلات حول ما يجري بالفعل داخل دوائر صنع القرار في طهران.


