في مشهد مهيب ساد عليه الحزن، ودّعت العاصمة السعودية الرياض جثمان الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الذي ووري الثرى في مقبرة العود بعد أداء صلاة الجنازة عليه في جامع الإمام تركي بن عبدالله. وشهدت مراسم التشييع حضوراً لافتاً من كبار المسؤولين والشخصيات السياسية والدبلوماسية، إلى جانب حشد من أبناء الجالية اليمنية، الذين جاؤوا لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الرجل الذي قاد اليمن في واحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث. وبالتزامن مع ذلك، أُقيمت صلاة الغائب على روحه في عدد من المدن والمحافظات اليمنية، تعبيراً عن مكانته في وجدان قطاع واسع من اليمنيين.
مسيرة حافلة في زمن التحولات الكبرى
يُطوى برحيل الرئيس هادي عن عمر ناهز 81 عاماً، فصل مهم من تاريخ اليمن المعاصر. لم تكن مسيرته مجرد محطة عابرة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من التحولات العميقة التي شهدتها البلاد على مدى عقود. بدأ هادي حياته المهنية في السلك العسكري، وتدرج في المناصب حتى أصبح نائباً للرئيس علي عبد الله صالح عام 1994. ظل في هذا المنصب لسنوات طويلة، مكتسباً خبرة واسعة في كواليس السياسة اليمنية المعقدة. جاءت اللحظة الفارقة في مسيرته عام 2011 مع اندلاع ثورة الشباب السلمية، والتي أدت إلى توقيع المبادرة الخليجية التي نصت على انتقال سلمي للسلطة. وبموجب هذه المبادرة، تولى هادي رئاسة اليمن في فبراير 2012 كرئيس توافقي لمرحلة انتقالية كان من المفترض أن تستمر لعامين فقط، لكن تعقيدات المشهد حالت دون ذلك.
إرث الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي ورمزية الشرعية
ارتبط اسم الرئيس هادي بشكل وثيق بمفهوم “الشرعية” على الساحة الدولية. فبعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وفرض الإقامة الجبرية عليه، تمكن من الإفلات والوصول إلى عدن، ومنها أعلن تراجعه عن استقالته وتمسكه بشرعيته كرئيس منتخب للبلاد. هذا الموقف شكل نقطة تحول أدت إلى طلبه التدخل من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 لاستعادة سلطة الدولة ومواجهة الانقلاب. طوال سنوات الحرب، ظل هادي يمثل رمزاً للحكومة المعترف بها دولياً، وهو ما منحه وحكومته غطاءً سياسياً ودبلوماسياً مهماً في المحافل الدولية، رغم التحديات الجسيمة التي واجهتها على الأرض.
نهاية فصل وبداية مرحلة جديدة
في أبريل 2022، اتخذ الرئيس هادي قراره الأخير والأبرز، حيث أعلن نقل كامل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، في خطوة هدفت إلى توحيد الصفوف المناهضة للحوثيين وفتح آفاق جديدة لعملية السلام. كان هذا القرار بمثابة تسليم للراية، وإيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسار الأزمة اليمنية. ورغم أن وفاته اليوم قد لا تحدث تغييراً مباشراً في موازين القوى السياسية التي تشكلت بعد نقل السلطة، إلا أنها تمثل نهاية رمزية لحقبة الرئيس الذي حمل على عاتقه مسؤولية الدولة في أصعب الظروف، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً سيظل محل نقاش وتقييم المؤرخين والسياسيين لسنوات قادمة.


