spot_img

ذات صلة

الموشحات والبانتون: تقاطعات فنية في ندوة كوالالمبور

في قلب معرض كوالالمبور الدولي للكتاب، وضمن الاحتفاء الاستثنائي بالمملكة العربية السعودية كضيف شرف، شهدت العاصمة الماليزية ليلة ثقافية فريدة من نوعها أدارها الإعلامي القدير أحمد العلكومي. وقد حلّقت الدكتورة سعاد أبو شال بالجمهور في فضاءات أدبية مقارنة، حيث استعرضت ببراعة التقاطعات الفنية والجمالية بين الموشحات والبانتون، وسط حضور لافت من النخب الأدبية والفكرية المهتمة بمد جسور التواصل الحضاري بين الثقافتين العربية والآسيوية.

الخلفية التاريخية: الجسور الإبداعية بين الموشحات والبانتون

لتفهم عمق هذه المقاربة، يجب العودة إلى الجذور التاريخية لكلا الفنين. فالموشحات الأندلسية نشأت في شبه الجزيرة الأيبيرية خلال العصر الإسلامي كأداة ثورية تمردت على جمود القصيدة العربية الكلاسيكية ذات القافية الواحدة والوزن الواحد. منحت الموشحات الشعر العربي أجنحة موسيقية جديدة عبر تنويع الأوزان والقوافي، مما جعلها قريبة من الوجدان الشعبي والغناء اليومي.

في المقابل، يمثل البانتون الماليزي الفن الشفوي العريق الذي يمتد لقرون في أرخبيل الملايو. وهو قالب شعري مكثف يعتمد على الرباعيات ذات الإيقاع المنظم والتوازي الصوتي العذب، حيث يختزل الحكمة الشعبية والقيم الأخلاقية للمجتمع في صور فنية بليغة. ورغم التباعد الجغرافي الشاسع بين الأندلس وجنوب شرق آسيا، إلا أن كلا الفنين ولدا من رحم الحاجة الإنسانية للتعبير الموسيقي والتحرر من القوالب النخبوية الجافة.

مقاربة نقدية وتناغم إيقاعي عابر للقارات

خلال الندوة، قدمت الدكتورة سعاد أبو شال قراءة نقدية مفككة للبناء الفني لكلا النمطين. وأوضحت أن العلاقة بين الموشحات والبانتون تتجاوز مجرد التشابه السطحي إلى تلاقٍ عميق في هندسة المشاعر الإنسانية. فبينما تتجلى الموشحات بتعدد قوافيها وتنوع أوزانها التي تفيض بالغناء، يتماسك البانتون في بنيته القصيرة وإيقاعه القائم على التوازي الصوتي العذب والتكثيف الضمني البليغ.

وأشارت أبو شال إلى أن كلا الفنين يحملان اسماً يعكس طبيعتهما الفنية والبيئة الحاضنة التي شكلت هويتهما؛ فالموشح مشتق من الوشاح لما فيه من ترصيع وتزيين، والبانتون يعبر عن التناغم والتماثل اللفظي والمعنوي، مما يثبت أن الإبداع البشري يلتقي في غاياته الجمالية مهما اختلفت اللغات.

الأهمية الثقافية والأثر المتوقع على العلاقات العربية الآسيوية

تكتسب هذه الفعالية أهمية بالغة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تعزز هذه الندوة من الحضور الثقافي السعودي في المحافل الدولية، وتبرز الدور الريادي للمملكة في تفعيل الدبلوماسية الثقافية وبناء شراكات معرفية متينة. إقليمياً ودولياً، تساهم هذه المقاربات الأدبية بين الموشحات والبانتون في تعميق الحوار الثقافي وصياغة ذاكرة مشتركة بين الشعوب، مؤكدة أن الفنون الشعرية تظل لغة إنسانية موحدة قادرة على اختصار المسافات الجغرافية الشاسعة وصناعة السلام عبر الكلمة النبيلة.

spot_imgspot_img