في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية الراهنة، حذر تقرير دولي حديث من سباق تسلح نووي جديد يلوح في الأفق، مدفوعاً بزيادة قياسية في إنفاق القوى النووية العالمية على ترساناتها العسكرية. ووفقاً للتقرير الصادر عن ‘الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية’ (ICAN)، فقد بلغ حجم الإنفاق العالمي على هذه الأسلحة الفتاكة نحو 119 مليار دولار خلال العام الماضي، وسط توقعات باستمرار هذا المنحنى التصاعدي لعقود مقبلة، مما يضع الأمن والسلم الدوليين على المحك.
أرقام صادمة وتفاصيل الإنفاق النووي العالمي
أفصح التقرير أن تسع دول رئيسية، وهي الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والهند، وإسرائيل، وباكستان، وكوريا الشمالية، أنفقت مجتمعة نحو 17 مليار دولار إضافية على ترساناتها النووية العام الماضي، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 19% مقارنة بعام 2024. وتصدرت واشنطن قائمة الإنفاق بـ 69.2 مليار دولار، متفوقة على بقية الدول مجتمعة، تلتها الصين بإنفاق بلغ 13.5 مليار دولار، ثم بريطانيا بـ 12.6 مليار دولار، وروسيا بـ 9.5 مليار دولار.
وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، تجاوز إجمالي إنفاق هذه الدول التسع حاجز 470 مليار دولار. وتشير الخطط المعلنة في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة إلى نية واضحة لضخ مليارات إضافية لتحديث وصيانة هذه المنظومات المدمرة لتمتد صلاحيتها حتى القرن القادم.
كيف يهدد الذكاء الاصطناعي الاستقرار الدولي؟
لم يعد الخطر النووي مقتصراً على حجم الرؤوس الحربية فحسب، بل امتد ليشمل التكنولوجيا المتقدمة. وذكر التقرير أن الصواريخ البالستية العابرة للقارات من طراز ‘سنتينل’ المستقبلية التي تخطط الولايات المتحدة لإطلاقها، ستبقى في الخدمة إلى ما بعد عام 2100، في حين ستحافظ الرؤوس الحربية على صلاحيتها حتى عام 2120 بفضل زيادة إنتاج البلوتونيوم الأمريكي.
وفي هذا السياق، حذرت سوزي سنايدر، المسؤولة في المنظمة، من أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظومات الدفاعية يزيد من خطر اتخاذ قرارات كارثية غير محسوبة. وأشارت سنايدر إلى المفارقة الإنسانية الصادمة؛ حيث إن ما أُنفق في عام واحد كان كفيلاً بتغطية ميزانية تشغيل الأمم المتحدة لـ 32 عاماً، أو توفير الأمن الغذائي لملايين البشر الذين يعانون من الجوع حول العالم، بدلاً من الاستثمار في أسلحة دمار شامل يدرك الجميع أن استخدامها يمثل جريمة حرب لا تغتفر.
جذور الصراع: الخلفية التاريخية للردع النووي
يعود هذا التنافس المحموم إلى حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، حيث تأسست عقيدة ‘الردع المتبادل’ أو ‘الدمار المؤكد المشترك’. ورغم إبرام عدة اتفاقيات للحد من التسلح خلال العقود الماضية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت انهياراً تدريجياً لهذه المعاهدات الاستراتيجية، مثل معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF) وتعليق العمل بمعاهدة ‘نيو ستارت’. هذا التآكل في البنية القانونية الدولية فتح الباب مجدداً أمام القوى الكبرى لتحديث ترساناتها دون قيود صارمة، مما مهد الطريق لبروز ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب يتسم بالعدائية وغياب الثقة المتبادلة.
تداعيات خطيرة لـ سباق تسلح نووي على الأمن العالمي
تتجاوز تداعيات هذا الإنفاق الهائل الحدود المحلية للدول المسلحة نووياً لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي. ووفقاً لباحثين من ‘معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام’ (سيبري)، فإن إخراج الأسلحة النووية من المخازن ونشرها على منصات الإطلاق يعكس تزايد دور أسلحة الدمار الشامل في السياسات الخارجية للدول الكبرى.
وأوضح مدير ‘سيبري’، كريم حجاج، أن الخطر الحقيقي يكمن في تصاعد التهديدات والمخاطر النووية رغم التراجع النسبي في العدد الإجمالي للرؤوس الحربية مقارنة بذروة الحرب الباردة. ويمتلك العالم حالياً ما يقدر بـ 12,187 رأساً حربياً، منها 9,745 رأساً في المخازن الجاهزة للاستخدام. وتستحوذ الولايات المتحدة وروسيا معاً على 83% من هذا المخزون. وفي الوقت نفسه، تسابق الصين الزمن لتوسيع ترسانتها بمعدل هو الأسرع عالمياً، حيث تمتلك حالياً 620 رأساً حربياً، مع توقعات بأن يتساوى مخزونها من الصواريخ البالستية العابرة للقارات مع مخزون كل من واشنطن وموسكو بحلول عام 2030.
إن هذا التحول الاستراتيجي يعزز من احتمالات وقوع مواجهة نووية بالخطأ أو نتيجة تصعيد غير محسوب في بؤر التوتر الساخنة مثل شرق أوروبا وتايوان والشرق الأوسط، مما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لإحياء مسار الدبلوماسية وضبط التسلح.


