عندما يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متوعداً بضرب طهران بقوة، ويرد الحرس الثوري الإيراني بإطلاق صواريخ باليستية، يتبادر إلى الأذهان تساؤل جوهري: هل ينزلق الشرق الأوسط نحو مواجهة شاملة، أم أننا نشهد فصلاً جديداً من فصول الصدام الأمريكي الإيراني الذي يهدف إلى فرض شروط التفاوض في اللحظات الأخيرة؟ إن التدقيق في كواليس هذا الصراع يكشف عن معادلة معقدة تمتزج فيها لغة الحديد والنار بمساعٍ حثيثة لإبرام صفقة تاريخية كبرى خلف الستار.
جذور التوتر: كيف تشكل المشهد الحالي؟
لم يكن التوتر الأخير وليد الصدفة، بل يمتد تاريخياً إلى عقود من الصراع الجيوسياسي منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. وقد شهدت العلاقات الثنائية محطات بارزة، من أبرزها توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ثم انسحاب واشنطن منه لاحقاً وتبني استراتيجية “الضغط الأقصى”. واليوم، يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إدارة المشهد بعقليته البراغماتية المعهودة، حيث يوازن بين استعراض القوة العسكرية لمنع أي تهديد للمصالح الأمريكية، وبين رغبته المعلنة في تجنب الانخراط في حروب برية مفتوحة ومكلفة في الشرق الأوسط.
الصدام الأمريكي الإيراني: استعراض القوة قبل التوقيع
يمثل الصدام الأمريكي الإيراني الحالي حاجة مشتركة لكلا الطرفين لاستعراض القوة وتحسين المواقع التفاوضية. فإدارة الرئيس دونالد ترامب، بدعم من وزير الخارجية ماركو روبيو وقادة البنتاغون، تسعى لرسم صورة “المنتصر” القادر على ردع طهران وحماية الممرات المائية الحيوية. وفي المقابل، تواجه القيادة الإيرانية ضغوطاً اقتصادية داخلية خانقة جراء العقوبات، مما يجعلها بحاجة إلى إظهار المقاومة والندية أمام جمهورها الداخلي وحلفائها الإقليميين قبل القبول بأي تسوية سياسية قد تبدو كتجرع “كأس السم” إذا لم تكن مغلفة بانتصار عسكري رمزي، مثل إسقاط مروحية الأباتشي قبالة سواحل سلطنة عمان.
جغرافيا التصعيد وأبعادها الإقليمية والدولية
تتجاوز أهمية الأحداث الأخيرة الحدود المحلية لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي. إن سقوط الطائرة المروحية في منطقة بحرية حساسة مثل مضيق هرمز يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للممرات المائية التي يمر عبرها نحو خمس إمدادات النفط العالمية. وقد أدى هذا التصعيد بالفعل إلى قفزة في أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي. إقليمياً، ترتبط هذه المواجهة بترتيبات الأمن الجديدة في لبنان وغزة، حيث تسعى واشنطن لتقليص نفوذ الأذرع الإقليمية لطهران، بينما تحاول إيران الحفاظ على أوراق قوتها في العواصم العربية لضمان مقعد رئيسي في صياغة مستقبل المنطقة.
كواليس الدبلوماسية السرية وفصل المسارات
رغم دوي الانفجارات وصخب التصريحات الإعلامية، تشير التقارير الدبلوماسية إلى حركة نشطة في القنوات الخلفية التي تقودها وساطات باكستانية وعمانية. وتكشف تسريبات من البيت الأبيض عن تبني استراتيجية “فصل المسارات”، حيث تسير العمليات العسكرية المحدودة جنباً إلى جنب مع المفاوضات التقنية المعقدة. إن القصف المتبادل ليس سوى “أداة تسعير” سياسية لرفع سقف المكتسبات قبل التوقيع النهائي على اتفاق شامل ينهي أزمة الملف النووي ويرسم حدود النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط الجديد.


