كشفت تقارير استخباراتية أمريكية حديثة عن مناورات هندسية معقدة نفذتها طهران لإخفاء كميات ضخمة من المواد النووية، حيث ركزت التقارير على كيفية عزل وتأمين مخزون اليورانيوم المخصب في إيران. ونقلت شبكة “سي إن إن” (CNN) عن مصادر أمنية أن السلطات الإيرانية قامت بإغلاق موقع تخزين استراتيجي يحتوي على نحو نصف طن من اليورانيوم عالي التخصيب، وذلك عبر هدم الأنفاق المؤدية إليه وزرع حقول ألغام أرضية محيطة به، مما جعل الوصول إلى هذه المواد أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد بالنسبة للمفتشين الدوليين أو أي قوى خارجية.
تداعيات إخفاء اليورانيوم المخصب في إيران على المفاوضات الدولية
وأكدت المصادر الاستخباراتية أن عملية استعادة هذا المخزون الحيوي باتت تتطلب عمليات حفر هندسية واسعة النطاق وإزالة ألغام معقدة للغاية. ويرى الخبراء أن هذا الإجراء التكتيكي قد يمنح طهران هامشاً واسعاً للمماطلة وكسب الوقت في أي مفاوضات مستقبلية. وفي هذا السياق، صرح سكوت روكر، الرئيس السابق لمكتب إزالة المواد النووية في الإدارة الوطنية للأمن النووي الأمريكية (بين عامي 2017 و2021)، بأن صحة هذه الأنباء ستعقد بلا شك أي جهود دولية تهدف إلى التحقق من المخزون النووي أو استعادته. وأضاف روكر أن هذه الخطوة تمنح إيران فرصة ذهبية لإخفاء أجزاء من مخزونها الاستراتيجي، أو التهرب من تقديم إثباتات قاطعة على امتثالها الكامل لأي اتفاق نووي محتمل.
الجذور التاريخية للأزمة النووية والانسحاب الأمريكي
لتفهم أبعاد هذه الخطوة، يجب العودة إلى السياق التاريخي للبرنامج النووي الإيراني. فمنذ توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، شهدت العلاقات الدولية شداً وجذباً مستمراً، خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على طهران. هذا الانسحاب دفع إيران إلى التحلل التدريجي من التزاماتها، والبدء في رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قياسية تقترب من درجة النقاء العسكري (60%). وتأتي الخطوة الأخيرة بإغلاق الأنفاق وتفخيخها كجزء من استراتيجية الردع الإيرانية لحماية مكتسباتها النووية من أي ضربات عسكرية محتملة أو عمليات تخريبية شبيهة بتلك التي استهدفت منشأة نطنز في السابق.
خطط طوارئ أمريكية وسيناريوهات التدخل العسكري
في المقابل، لم تقف واشنطن مكتوفة الأيدي أمام هذه التطورات. فقد كشفت تقارير إعلامية لشبكة “سي بي إس نيوز” (CBS News) أن الجيش الأمريكي، بالتعاون الوثيق بين وزارتي الدفاع والطاقة، قد وضع خططاً طارئة لتأمين المواد النووية الإيرانية عالية التخصيب في حال التوصل إلى تسوية سياسية أو حدوث انهيار أمني. وتعمل فرق تقنية متخصصة من وزارة الطاقة الأمريكية جنباً إلى جنب مع وحدات عسكرية مدربة لتحديد مواقع اليورانيوم المخصب واختراقها عند الضرورة. ورغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين أن هذه الخطط تندرج تحت بند “التخطيط العسكري الروتيني” ولا تعني اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية وشيكة، إلا أنها تعكس مدى القلق البالغ في واشنطن من خروج الملف النووي عن السيطرة.
الأثر الإقليمي والدولي للمناورات النووية الإيرانية
تتجاوز أهمية هذا الحدث الحدود الإيرانية لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي. على المستوى الإقليمي، تثير هذه التحركات مخاوف عميقة لدى دول الجوار وإسرائيل، التي هددت مراراً بمنع إيران من حيازة سلاح نووي بكافة الوسائل المتاحة. وعلى المستوى الدولي، فإن إخفاء نصف طن من اليورانيوم يهدد بتقويض معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية ويدفع المنطقة نحو سباق تسلح نووي غير مسبوق. وبالتوازي مع هذه التطورات النووية، نقلت وكالة “بلومبيرغ” عن تقييمات استخباراتية أن إيران تمكنت من استعادة الوصول إلى مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق كانت مدفونة تحت الأنقاض، مرجحة قيام طهران بإضافة أسلحة روسية حديثة ومتطورة إلى ترسانتها العسكرية خلال فترات وقف إطلاق النار الأخيرة، مما يعزز من قدراتها الدفاعية والهجومية في مواجهة أي سيناريوهات قادمة.


