تتجه الأنظار، الجمعة، إلى سويسرا التي تشهد توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد، والذي استغرق التوصل إليه أكثر من شهرين من المفاوضات المكثفة برعاية دولية. وبموجب هذا الاتفاق المبدئي، سيتم إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة البحرية، مع منح الطرفين مهلة 60 يوماً للتفاوض بشأن القضايا الأكثر تعقيداً والمتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني الذي يثير جدلاً واسعاً على الساحة الدولية، وفقاً لما أوردته وكالة “بلومبيرغ”.
أبعاد الاتفاق الأمريكي الإيراني ومواقف القادة في واشنطن وطهران
في أول تعليق له على هذه الخطوة، اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هذا الاتفاق المبدئي يمثّل بداية عملية حقيقية تفضي إلى السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وفي المقابل، يرى المتشككون والمحللون السياسيون أن هذا التفاهم قد لا يتعدى كونه “هدنة مؤقتة”، ويعود ذلك إلى غياب المؤشرات الواضحة حول استعداد واشنطن أو طهران لتقديم تنازلات جوهرية بشأن الملفات الشائكة، مثل حجم الدعم الاقتصادي الموعود لإيران، وآليات التعامل مع برنامجها النووي المثير للجدل، فضلاً عن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.
وما يزيد من حالة عدم اليقين هو انعدام الثقة العميق بين واشنطن وطهران، والذي تغذيه شكوك الولايات المتحدة المستمرة بأن إيران تسعى لإعادة تفعيل برنامجها النووي سراً. وفي المقابل، يشير المسؤولون الإيرانيون إلى أن الولايات المتحدة استهدفت بلادهم عسكرياً مرتين سابقاً خلال جولات المفاوضات، مستحضرين الهجمات التي أسفرت عن اغتيال العديد من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد علي خامنئي وأفراد من عائلة خليفته، مما يجعل جدار الشكوك سميكاً للغاية بين الطرفين.
جذور الصراع وتاريخ العلاقات بين واشنطن وطهران
يأتي هذا التحرك الدبلوماسي في سياق تاريخي معقد يتسم بالتوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود. وتعود جذور الأزمة النووية الحالية بشكل خاص إلى عام 2015، عندما تم إقرار قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني في الكونغرس الأمريكي لتقييد إدارة الرئيس باراك أوباما آنذاك أثناء تفاوضها على الحد من الطموحات النووية لطهران. ورغم التوصل إلى ذلك الاتفاق التاريخي، فإن قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب منه في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية قد عمّق الفجوة وأعاد التوتر إلى ذروته، مما جعل أي تفاوض جديد محاطاً بشكوك بالغة من الطرفين.
التأثيرات الإقليمية وموقف تل أبيب من الاتفاق الجديد
تلقي التطورات الميدانية في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع المتصاعد بين إسرائيل ولبنان، بظلالها على فرص نجاح هذا التفاهم الجديد. ويشكل موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يعبر باستمرار عن شكوكه العميقة في أي اتفاق لا يضمن تفكيك القدرات النووية الإيرانية بالكامل، مصدر قلق كبير لكل من واشنطن وطهران على حد سواء. وقد بدا الإحباط واضحاً على الرئيس ترامب في الأيام الأخيرة تجاه نتنياهو، حيث صرح بأنه طالب إسرائيل بوقف هجماتها على لبنان لتجنب تقويض المسار التفاوضي الحساس.
ويرى خبراء السياسة الدولية أن مضيق هرمز يمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق في تأمين هذا الممر المائي سيسهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية وخفض معدلات التضخم، بينما يمثل فشله نذيراً بقفزة قياسية في أسعار النفط وتصعيد عسكري قد يتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة.
تحديات تقنية وتشريعية تواجه مسار التنفيذ
من الناحية الهيكلية، يواجه الاتفاق عقبات تشريعية داخل الولايات المتحدة؛ إذ يؤكد مشرعون في الكونغرس أن أي تخفيف واسع النطاق للعقوبات المفروضة على طهران يجب أن يحظى بموافقة مجلس الشيوخ بموجب القوانين النافذة. وفي هذا الصدد، عبر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن قلقه قائلاً إن وجهة نظر إيران بشأن الاتفاق تبدو مختلفة تماماً عما يدعيه فريق التفاوض الأمريكي، مؤكداً أنه سيتابع مجريات التفاوض عن كثب.
وعلى الصعيد الميداني، أشار الباحث البارز في المجلس الأطلسي، نيت سوانسون، إلى أن آليات إعادة فتح مضيق هرمز – المقررة في 19 يونيو – لم تُحسم تفاصيلها الفنية بعد، مما يجعل الوضع الراهن هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة. ومن جهته، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن بلاده ستظل على أهبة الاستعداد لمواجهة أي مؤامرات، مشدداً على أن طهران تواجه أعداءً لن يفوّتوا أي فرصة لضرب استقرارها، حتى لو نجحت مفاوضات الـ 60 يوماً في التوصل إلى صيغة نهائية.


