شهدت مدينة إيفيان ليبان الفرنسية انعقاد أعمال قمة السبع في الفترة من 15 إلى 17 يونيو، حيث وجّه قادة الدول الكبرى رسالة حاسمة تؤكد وحدة موقفهم في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة، وعلى رأسها تقديم الدعم الكامل لأوكرانيا للحفاظ على سلامة أراضيها، بالتزامن مع تشديد العقوبات المفروضة على موسكو. وجاء البيان الختامي ليعكس تماسكاً قوياً بين الأعضاء، متجاوزاً التباينات السابقة، لا سيما مع إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بلقائه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووصفه بأنه “إيجابي للغاية”، مما يفتح آفاقاً جديدة لتسوية سياسية محتملة.
تعزيز جبهة كييف العسكرية والسياسية في قمة السبع
تأتي هذه القمة في وقت بالغ الحساسية من الصراع الروسي الأوكراني الذي بدأ في عام 2022، وأعاد تشكيل الخارطة الأمنية لأوروبا والعالم بأسره. وتاريخياً، كانت مجموعة السبع منصة رئيسية لتنسيق العقوبات الاقتصادية والمالية ضد موسكو منذ ضم القرم في عام 2014. واليوم، يسعى القادة إلى إيجاد صيغة مستدامة لإنهاء النزاع تضمن سيادة أوكرانيا وحقوقها المشروعة.
وفي هذا الصدد، أشار الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى إمكانية عقد لقاءات ثنائية أخرى مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمواصلة التنسيق واستكشاف الحلول الدبلوماسية الممكنة. ويرى مراقبون دوليون، بناءً على تقارير وكالة “رويترز”، أن الموقف التفاوضي لكييف قد تعزز بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، مدعوماً بالنجاحات الميدانية التي حققتها الطائرات المسيرة الأوكرانية في شلّ وإرباك القدرات اللوجستية والعسكرية الروسية داخل العمق الاستراتيجي.
أمن الطاقة العالمي ومستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني
لم تقتصر نقاشات القادة على الملف الأوروبي فحسب، بل امتدت لتشمل قضايا الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي وتأثيراتها المباشرة على الاقتصاد الدولي. ورحب المشاركون بالاتفاق الأولي للسلام بين الولايات المتحدة وإيران، معربين عن استعدادهم للمساهمة الفعالة في تطبيق بنوده لضمان الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي سياق متصل، شددت القمة على ضرورة تنويع مسارات إمدادات الطاقة العالمية لتقليل الاعتماد على الممرات المائية الحساسة مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لتدفقات النفط العالمية. ويهدف هذا التوجه الاستراتيجي إلى تعزيز أمن الطاقة للدول المستهلكة ورفع مستويات المخزونات الاستراتيجية لمواجهة أي اضطرابات محتملة في سلاسل التوريد مستقبلاً.
مواجهة النفوذ الصيني في قطاع المعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي
شكلت الهيمنة الاقتصادية للصين محوراً بارزاً في مداولات القمة، حيث قادت فرنسا جهوداً حثيثة لتبني سياسات مشتركة تهدف إلى تقليل اعتماد الدول الغربية على بكين في قطاع المعادن الحيوية والنادرة، والتي تعد الركيزة الأساسية لصناعات الدفاع، التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النظيفة. وتأتي هذه الخطوة بعد القيود الصارمة التي فرضتها الصين سابقاً على صادرات هذه المعادن، مما أثار قلقاً واسعاً في الأسواق الغربية وعطل بعض الصناعات الحيوية.
وتتضمن المقترحات الغربية تقديم حوافز استثمارية، ودعم الأسعار، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في سلاسل توريد بديلة خارج الصين. ورغم إدراك المسؤولين أن هذا المسار طويل ويتطلب سنوات لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الكامل، إلا أنهم يرونه خطوة لا غنى عنها لحماية الأمن القومي والاقتصادي.
علاوة على ذلك، ناقش القادة الاختلالات التجارية الناتجة عن الفائض التجاري الصيني الضخم، ودراسة تشديد أدوات الدفاع التجاري الأوروبية لمواجهة ما وصفوه بالمنافسة غير العادلة. كما حظي ملف الذكاء الاصطناعي باهتمام خاص، حيث ركزت الجلسات على حوكمة الأنظمة الذكية، ومسؤولية وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومكافحة التضليل الإعلامي عبر آليات متطورة للتحقق من صحة المعلومات، بمشاركة أقطاب التكنولوجيا في العالم.


