في مبادرة فنية وثقافية لافتة تعكس عمق الارتباط بالتراث الإسلامي العريق، نجح خطاطون أتراك في إعادة إحياء ذكرى الخطاط العثماني الراحل محيي الدين تانير. وتمت هذه الخطوة المباركة عبر نصب شاهدة قبر جديدة نُقشت يدويًا بالحروف العربية، تكريمًا لإرثه الفني الخالد ودوره الريادي في إثراء مدرسة الخط العثماني التاريخية. وجاء هذا الحدث الاستثنائي بعد العثور على قبره في عام 2022 بمحافظة قسطموني الواقعة شمالي تركيا، بعد عقود طويلة ظل فيها مكان ضريحه مجهولاً وغائبًا عن الأنظار.
رحلة البحث عن القبر وجذور مدرسة الخط العثماني
عاش الخطاط القدير محيي الدين تانير في الفترة ما بين عامي 1876 و1956، وهي حقبة تاريخية مفصلية شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى في المنطقة. ويُعد تانير أحد الأعمدة البارزة التي حافظت على رونق الحرف العربي وتطبيقاته الفنية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث كانت الحروف العربية هي الوسيلة الرسمية والمعتمدة لتدوين اللغة التركية العثمانية، فضلاً عن استخدامها الواسع في تزيين المساجد، القصور، والمخطوطات الرسمية. إن العثور على قبره بعد كل هذه السنوات يمثل كنزاً وثائقياً وتاريخياً يعيد ربط الأجيال الحالية بجذورها الفنية العريقة، ويسلط الضوء على حقبة ذهبية من الإبداع البصري.
من الرقمنة إلى الفن الحي: تفاصيل المبادرة الفنية
بعد الاكتشاف المثير لموقع القبر في قسطموني، تبنت جمعية ثقافية محلية مبادرة رائدة تهدف إلى استبدال الشاهدة المؤقتة المطبوعة رقمياً بأخرى تليق بمقام هذا الفنان الكبير. وانطلق القائمون على المبادرة من رؤية مفادها أن خطاطاً فذاً أفنى عمره في خدمة الحرف العربي يستحق أن تُخلد ذكراه بخط يدوي حي ينبض بالروح والجمال، بدلاً من الخطوط الآلية الجافة. ولتحقيق هذه الغاية، تطوع الخطاط التركي البارز محمود شاهين لكتابة نصوص الرثاء والشواهد مستخدماً خط “التعليق” (أو الفارسي)، وهو الأسلوب الفني الدقيق الذي تميز واشتهر به تانير طوال مسيرته الإبداعية.
أبعاد الحدث وتأثيره على المشهد الثقافي المعاصر
لم تكن هذه المبادرة مجرد تكريم محلي عابر، بل تحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تسهم هذه الخطوة في تعزيز الهوية البصرية والتاريخية لتركيا، وإعادة إحياء الاهتمام الشعبي والمؤسسي بالفنون الكلاسيكية. إقليمياً ودولياً، يبرز الحدث دور تركيا كمركز محوري للحفاظ على الفنون الإسلامية التقليدية، ويجذب أنظار الباحثين والمستشرقين المهتمين بدراسة تطور الخطوط الإسلامية. وقد جرى حفل نصب الشاهدة الرخامية الجديدة وسط حضور مهيب ضم نخبة من الخطاطين، الأكاديميين، وهواة الفن الإسلامي، حيث كُتِبت العبارات باللغة العثمانية القديمة لتشمل كلمات رثاء مؤثرة، وتاريخ وفاة تانير، وسنة تجديد الشاهدة، لتظل شاهداً حياً على تلاقي الماضي بالحاضر. اليوم، يستمر الخط العربي في كونه جسراً ثقافياً يربط تركيا بمحيطها الإسلامي والعربي، مؤكداً أن الحروف التي شكلت الهوية البصرية للمنطقة لقرون طويلة لا تزال حية وقادرة على الإلهام.


