في خطوة جديدة تعكس عمق ومدى مكافحة الفساد في الصين، أعلنت السلطات الصينية عن إقالة ستة من كبار جنرالات جيش التحرير الشعبي من عضوية المجلس الوطني لنواب الشعب (البرلمان). وتأتي هذه القرارات الحاسمة في إطار الاستراتيجية الصارمة التي ينتهجها الرئيس الصيني شي جين بينغ لتطهير المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية من أي مظاهر للانحراف المالي أو الإداري، مما يبرز جدية القيادة الصينية في فرض الانضباط المطلق داخل صفوف القوات المسلحة.
جذور حملة مكافحة الفساد في الصين وتطهير الجيش
منذ توليه السلطة في عام 2012، وضع الرئيس شي جين بينغ ملف مكافحة الفساد على رأس أولوياته الوطنية. ولم تكن المؤسسة العسكرية بمنأى عن هذه الحملة التاريخية؛ بل كانت في قلبها دائماً. تاريخياً، واجه جيش التحرير الشعبي الصيني تحديات رقابية مكنت بعض القيادات من استغلال مناصبهم في صفقات التسلح والمشتريات اللوجستية. ومن هنا، انطلقت حملة مكافحة الفساد في الصين لتشمل رتباً عسكرية رفيعة لم يكن من الممكن المساس بها في العقود السابقة. وتؤكد التقارير أن هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى معاقبة المفسدين، بل إلى ضمان الولاء السياسي المطلق للحزب الشيوعي الحاكم، وتعزيز الكفاءة القتالية للجيش في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
أسماء بارزة في قبضة التحقيقات العسكرية
وفقاً لما نقلته صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، شملت قائمة الجنرالات الذين أُسقطت عضويتهم البرلمانية أسماءً ذات ثقل عسكري كبير. ومن أبرز هؤلاء الجنرال شوي شيوي تشيانغ، من إدارة تطوير المعدات التابعة للجنة العسكرية المركزية، والذي لوحظ غيابه عن اجتماع حزبي هام في أكتوبر الماضي. كما ضمت القائمة الفريق وانغ كانغ بينغ من قيادة المسرح الشرقي، والفريق يين هونغ شينغ، المفوض السياسي لقيادة منطقة التبت العسكرية، والذي غاب بدوره عن زيارة تفقدية مفاجئة قام بها الرئيس شي للمنطقة الغربية في أغسطس الماضي.
ولم تتوقف الإقالات عند هذا الحد، بل طالت أيضاً الجنرال لي فنج بياو (المفوض السياسي لقيادة المسرح الغربي)، والجنرال قوه بو شياو (المفوض السياسي للقوات الجوية)، والفريق تشانغ مينغهوا من قوة الفضاء السيبراني. وتكشف هذه الإقالات الجماعية عن عملية غربلة واسعة النطاق تطال مختلف أفرع القوات المسلحة الصينية، حيث أعلن البرلمان إسقاط عضوية 13 نائباً في المجمل وتقديم آخر لاستقالته.
الأبعاد الإقليمية والدولية لإعادة هيكلة القيادة الصينية
تحمل هذه الإجراءات دلالات بالغة الأهمية على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، يبعث إسقاط عضوية هؤلاء القادة، إلى جانب مسؤولين مدنيين آخرين مثل “ما شينغ روي” الأمين السابق للحزب في إقليم شينجيانغ، ورئيس الرقابة المالية السابق لي يون تسي، برسالة واضحة مفادها أنه لا أحد فوق القانون أو المساءلة مهما بلغت رتبته. أما دولياً وإقليمياً، فإن تطهير الجيش الصيني من الفساد يرتبط مباشرة بجهود بكين لتحديث قواتها المسلحة لتصبح قوة قتالية قادرة على خوض الحروب الحديثة والانتصار فيها، لا سيما في ظل التنافس المتزايد مع القوى الكبرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وملف تايوان الحساس. إن جيشاً خالياً من الفساد يعني كفاءة أعلى في إدارة الموارد العسكرية وتطوير التكنولوجيا الدفاعية الفائقة.
إصرار رئاسي على مواصلة المسار الصارم
لقد أكد الرئيس شي جين بينغ مراراً وتكراراً أن حملة التطهير لن تتوقف، مشدداً على أن القوات المسلحة التي تحمل السلاح يجب أن تظل مخلصة تماماً للحزب الشيوعي، وأنه لا ملاذ للفاسدين داخل صفوفها. ومع بقاء عضوين فقط من أصل سبعة في اللجنة العسكرية المركزية المعينة عام 2022 – هما الرئيس شي ورئيس جهاز مكافحة الفساد في الجيش تشانغ شنج مين – يتضح أن بكين ماضية في إعادة صياغة مشهدها القيادي لضمان أعلى درجات النزاهة والولاء المطلق.


