في خطوة مفاجئة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في منطقة البلقان، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عزمه الاستقالة من منصبه خلال أسابيع قليلة، ممهداً الطريق لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة. ويأتي قرار استقالة الرئيس الصربي في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطاً شعبية متزايدة واحتجاجات مستمرة تطالب بالتغيير السياسي ومكافحة الفساد، مما يضع مستقبل البلاد السياسي على المحك.
كواليس قرار استقالة الرئيس الصربي وتوقيت الإعلان المفاجئ
أمام حشد من مؤيديه خلال تجمع داعم للحكومة في العاصمة بلغراد، صرح فوتشيتش قائلاً: “سأظل رئيساً لبضعة أسابيع فقط، ثم سأستقيل”. وأوضح الرئيس الصربي أنه يعتزم مساعدة حزبه، “الحزب التقدمي الصربي”، على الفوز في الانتخابات المقبلة، بما في ذلك الانتخابات البرلمانية المبكرة التي كان من المقرر إجراؤها في الأصل عام 2027. ورغم هذا الإعلان المثير، لم يحدد فوتشيتش موعداً دقيقاً لتقديم استقالته الرسمية، كما لم يحدد تاريخاً لحل البرلمان، وهو الإجراء الدستوري الأساسي والشرط الجوهري للدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة.
كارثة “نوفي ساد” والشرارة التي أشعلت الغضب الشعبي
جاء هذا الإعلان بعد عام ونصف من الاحتجاجات المتواصلة المناهضة للفساد وسوء الإدارة، والتي قادها قطاع واسع من الطلاب والنشطاء. وقد بلغت هذه الاحتجاجات ذروتها عقب الحادثة المأساوية التي شهدتها مدينة “نوفي ساد” شمالي صربيا، حيث انهار سقف واجهة محطة للسكك الحديدية مما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. واعتبر المتظاهرون والمعارضة وجماعات حقوق الإنسان أن هذه الكارثة ليست مجرد حادث عارض، بل هي انعكاس مباشر للفساد المستشري وسوء إدارة المشاريع العامة وغياب الرقابة الفعالة على مشاريع البنية التحتية التي تنفذها الحكومة.
الأبعاد التاريخية والتأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً
تاريخياً، تميزت السياسة الصربية بالتعقيد الشديد نظراً لموقعها الجغرافي والسياسي الحساس؛ إذ تسعى بلغراد جاهدة لتحقيق التوازن بين طموحاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعلاقاتها التاريخية والتحالفية الوثيقة مع روسيا. ويعد ألكسندر فوتشيتش، الذي كان من المفترض أن تنتهي ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة في منتصف عام 2027، الشخصية الأكثر هيمنة على المشهد السياسي الصربي طوال العقد الماضي.
على الصعيد المحلي والإقليمي، فإن إجراء انتخابات مبكرة قد يؤدي إما إلى إعادة ترسيخ نفوذ الحزب الحاكم أو إتاحة الفرصة للمعارضة المنقسمة لتوحيد صفوفها وإحداث تغيير حقيقي. أما على الصعيد الدولي، فإن استقرار صربيا يمثل ركيزة أساسية لأمن منطقة غرب البلقان بأكملها. وستتجه أنظار القوى الكبرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نحو بلغراد لمراقبة هذا الانتقال السياسي، نظراً لما قد يترتب عليه من تغييرات في التوجهات الخارجية لصربيا وملف العلاقات الشائكة مع كوسوفو.


