شهدت العاصمة العراقية بغداد تطوراً أمنياً وسياسياً بارزاً تمثل في اعتقال مسؤولين عراقيين بتهمة الفساد، حيث نفذت القوات الأمنية حملة مداهمات واسعة النطاق داخل المنطقة الخضراء المحصنة. وأسفرت هذه العملية عن توقيف 17 مسؤولاً، غالبيتهم العظمى من أعضاء مجلس النواب الحاليين والسابقين، مما يمثل ضربة قوية لشبكات الفساد المالي والإداري المتغلغلة في مؤسسات الدولة.
تفاصيل الإطاحة بالمتهمين وشخصيات بارزة في قبضة الأمن
كشفت مصادر عراقية مطلعة أن حملة الاعتقالات طالت أسماء سياسية ونيابية وازنة في المشهد العراقي. ومن أبرز المعتقلين مثنى السامرائي، زعيم تحالف “العزم”، وحسن الخفاجي رئيس كتلة برلمانية تضم 19 نائباً. كما شملت التوقيفات كلاً من إبراهيم الصميدعي، عالية نصيف، بهاء النوري، مظهر الكروي، محمد الكربولي، ومحمد فرمان.
ولم تقتصر الحملة على النواب الحاليين، بل امتدت لتشمل برلمانيين سابقين ومسؤولين تنفيذيين؛ حيث أوقفت القوات الأمنية النائب السابق محمد الصيهود، وهند العباسي، ومحمد سارمان، والنائب زياد الجنابي. وفي السياق ذاته، تم اعتقال علي معارج، الوكيل السابق لوزارة النفط والمشمول بالعقوبات الأمريكية، ومحمد المياحي محافظ واسط السابق والنائب الحالي. في المقابل، داهمت القوات الأمنية منزل النائب علاء سكر ومنزل النائب عن كتلة حقوق حسين مؤنس، دون العثور عليهما.
اعترافات الجميلي وخلفيات قضية اعتقال مسؤولين عراقيين بتهمة الفساد
تأتي هذه التطورات المتسارعة بعد رفع الحصانة البرلمانية عن النواب المتورطين بناءً على إجراءات قضائية دستورية. وأفادت المصادر بأن عملية اعتقال مسؤولين عراقيين بتهمة الفساد استندت بشكل مباشر إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، الموقوف منذ مايو الماضي.
وكانت التحقيقات مع الجميلي قد قادت في وقت سابق من هذا الشهر إلى مصادرة مبالغ مالية ضخمة تجاوزت 85 مليون دولار، بالإضافة إلى ضبط وحجز 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، ومصوغات ذهبية تقدر بنحو 3 كيلوغرامات. كما أسفرت تلك الاعترافات عن القبض على مدير عام دائرة الصحة في محافظة صلاح الدين، رائد الجبوري، مما يكشف عن شبكة من الفساد تمتد عبر قطاعات حيوية مختلفة.
أبعاد إقليمية ودولية لملفات التهريب وغسيل الأموال
أكد مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى أن القضية لا تقتصر على الرشاوى المحلية، بل ترتبط بملفات استراتيجية بالغة الحساسية تشمل تمويل الفصائل المسلحة، وتجارة النفط الإيراني، وتهريب الدولار إلى خارج البلاد. هذه الأنشطة تضع العراق تحت مجهر الرقابة الدولية، لا سيما مع سعي الولايات المتحدة لضبط حركة العملة الصعبة ومنع تهريبها إلى الدول الخاضعة للعقوبات.
إن تورط مسؤولين كبار في تهريب الدولار يلقي بظلاله على الاستقرار الاقتصادي المحلي، حيث يتسبب في تذبذب أسعار صرف الدينار العراقي ويضر بالقدرة الشرائية للمواطنين. وعلى الصعيد الدولي، تعزز هذه الإجراءات من مصداقية الدولة العراقية في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على علاقات العراق الاقتصادية مع المؤسسات المالية الدولية.
سياق مكافحة الفساد وتحديات فرض هيبة الدولة
يعاني العراق منذ عقود من معضلة الفساد الهيكلي وسوء الإدارة التي تسببت في هدر مليارات الدولارات من ثروات البلاد النفطية وتراجع مستوى الخدمات الأساسية. وتأتي هذه الحملة كجزء من التعهدات التي قطعها رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، الذي التزم بمحاربة الفساد بلا هوادة وحصر السلاح بيد الدولة.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الحملة يتوقف على استمرارية الإجراءات القضائية بعيداً عن الضغوط والتسويات السياسية. إن ملاحقة شخصيات تنتمي إلى فصائل مسلحة أو تحالفات سياسية كبرى تمثل اختباراً حقيقياً لسيادة القانون وقدرة الدولة على فرض هيبتها، مما قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية الاقتصادية التي يطمح إليها الشعب العراقي.


