شهدت الحدود المشتركة بين الجارتين تصعيداً أمنياً خطيراً، حيث أعلنت إسلام آباد عن تنفيذ الضربات العسكرية الباكستانية البرية والجوية ضد مواقع لمسلحين داخل الأراضي الأفغانية، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 29 شخصاً. وجاء هذا التحرك العسكري الأخير رداً مباشراً على هجوم دامي استهدف قوات الأمن الباكستانية في مدينة كراتشي الساحلية، مما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر المتصاعد بين البلدين اللذين يتقاسمان حدوداً طويلة ومضطربة.
تفاصيل الهجوم في كراتشي والرد العسكري السريع
أوضح وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله ترار، أن القوات الأمنية نفذت عملية برية دقيقة استندت إلى معلومات استخباراتية مكثفة، تلتها غارات جوية مركزة استهدفت ما وصفها بـ “أوكار الإرهابيين” في الجانب الأفغاني. واستهدفت هذه الضربات مخابئ تابعة لجماعتي “جماعة الأحرار” و”فتنة الخوارج” (وهو المصطلح الرسمي الذي تطلقه السلطات الباكستانية على حركة طالبان الباكستانية).
وجاء هذا الرد العنيف بعد يوم واحد فقط من هجوم منسق شنه مسلحون مزودون بأسلحة نارية ومواد متفجرة على المقر الإقليمي لقوات “الرينجرز” شبه العسكرية في كراتشي، مما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود باكستانيين. وأعلنت جماعة “جماعة الأحرار” المنشقة عن طالبان الباكستانية مسؤوليتها عن الهجوم، في حين أكدت القوات الباكستانية مقتل ثلاثة من المهاجمين واعتقال رابع مصاب يحمل الجنسية الأفغانية.
جذور الصراع وتدهور العلاقات منذ عام 2021
يعود التوتر الراهن بين إسلام آباد وكابل إلى خلفية تاريخية معقدة، لكنه اتخذ منحىً أكثر خطورة منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان في عام 2021. ورغم الآمال الباكستانية الأولية بأن تساهم حكومة طالبان في ضبط الحدود ومنع استخدام أراضيها لشن هجمات، إلا أن الواقع شهد تصاعداً ملحوظاً في العمليات المسلحة داخل باكستان.
وقد بلغت الخلافات ذروتها في فبراير الماضي عندما اندلعت مواجهات عسكرية واسعة النطاق أسفرت، بحسب تقارير الأمم المتحدة، عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وتضمنت تلك المواجهات قصفاً جوياً باكستانياً غير مسبوق طال مدناً رئيسية مثل كابل وقندهار، التي تعد معقل القيادة العليا لحركة طالبان الأفغانية. ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مارس الماضي، إلا أن المناوشات والضربات المتبادلة لم تتوقف، حيث أسفرت ضربات باكستانية في يونيو الماضي عن مقتل 13 شخصاً.
أبعاد وتداعيات الضربات العسكرية الباكستانية على الاستقرار الإقليمي
تحمل الضربات العسكرية الباكستانية الأخيرة أبعاداً وتأثيرات تتجاوز الحدود المحلية لتلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي. محلياً، تضع هذه العمليات ضغوطاً هائلة على الحكومة الباكستانية لتأمين مواطنيها وحماية قواتها الأمنية، وهو ما أكده وزير الإعلام الباكستاني بقوله إن “أمن المواطنين أولوية لا يمكن التهاون فيها”.
إقليمياً، يهدد هذا التصعيد بتقويض جهود الوساطة الدبلوماسية التي تقودها قوى إقليمية كبرى مثل الصين والمملكة العربية السعودية، والتي تسعى جاهدة لتقريب وجهات النظر وإيجاد تسوية دائمة للأزمة الحدودية. كما أن استمرار إغلاق المعابر الحدودية الحيوية منذ أكتوبر الماضي يلحق أضراراً اقتصادية بالغة بحركة التجارة البينية ويعمق الأزمة الإنسانية لسكان المناطق الحدودية.
دبلوماسياً، وصفت حكومة طالبان في كابل، على لسان متحدثها ذبيح الله مجاهد، الهجمات الباكستانية بأنها “عمل عدواني جبان”، نافية باستمرار إيواء أي عناصر مسلحة تهدد دول الجوار، ومطالبة باحترام سيادة أفغانستان. وفي المقابل، يصر قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير على أن تحقيق السلام الحقيقي يظل رهناً بتخلي كابل عن دعم وتوفير الملاذات الآمنة للجماعات الإرهابية.


