شهدت العاصمة السعودية الرياض وجدة تحركات دبلوماسية وبيئية مكثفة، حيث اتفق وزراء المياه العرب على صياغة خارطة طريق استراتيجية لتعزيز العمل العربي المشترك، بهدف ضمان مستقبل مائي آمن للأجيال القادمة. وجاء هذا التوافق خلال الجلسة الوزارية رفيعة المستوى التي عُقدت ضمن أعمال المنتدى العربي السابع للمياه، كجزء من فعاليات أسبوع المياه السعودي الأول، بمشاركة واسعة من وزراء وممثلي 11 دولة عربية وشركاء دوليين.
تحديات متزايدة تستدعي صياغة مستقبل مائي آمن
أكد وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، المهندس عبدالرحمن الفضلي، خلال كلمته في الاجتماع التشاوري الثاني لأصحاب المصلحة لمنتدى أسبوع المياه السعودي بجدة، أن التحديات المتزايدة لتحقيق الأمن المائي عالمياً تتطلب الانتقال الفوري من مرحلة الحوار إلى التنفيذ الفعلي. وأشار الفضلي إلى أن الالتزامات العامة يجب أن تتحول إلى نتائج عملية قابلة للقياس، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكات الدولية في الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وهو ما سيدعم بشكل مباشر مخرجات المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه الذي ستستضيفه الرياض في مارس 2027.
الجذور التاريخية لأزمة المياه في الوطن العربي
تُصنف المنطقة العربية تاريخياً كواحدة من أكثر مناطق العالم شحاً في المياه، حيث تقع معظم أراضيها في نطاقات جافة وشبه جافة. وعلى مدى العقود الماضية، تضافرت عوامل التغير المناخي، والنمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني غير المسبوق لتزيد من الضغوط على مصادر المياه العذبة المحدودة. هذه الخلفية التاريخية جعلت من قضايا المياه مسألة أمن قومي عربي بامتياز، مما دفع الحكومات المتعاقبة للبحث عن حلول غير تقليدية وإصلاحات تشريعية ومؤسسية لتفادي تفاقم الأزمة وحماية النظم البيئية الحيوية.
أبعاد التعاون الإقليمي والدولي لحماية الثروة المائية
يحمل هذا الاتفاق الوزاري أهمية بالغة على عدة مستويات؛ فمحلياً، يسهم في تسريع وتيرة الاستثمارات المتكاملة وتطوير البنية التحتية للمياه في الدول الأعضاء. وإقليمياً، يمهد الطريق لتبادل البيانات والخبرات وتدشين برامج التوأمة بين الهيئات المائية العربية، مما يعزز الحوكمة الشاملة والقدرة على مواجهة الأزمات المشتركة. أما دولياً، فإن هذه الجهود تضع العالم العربي في مقدمة الدول الساعية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، لا سيما الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة والنظافة الصحية، ويعزز من مكانة المملكة العربية السعودية كقائد عالمي في هذا ملف المياه الحيوي من خلال استضافتها للمنتديات الدولية الكبرى.
آليات التمويل والابتكار لتعزيز الاستدامة المائية
بحثت الجلسة الوزارية، التي ترأسها المهندس عبدالرحمن الفضلي تحت عنوان “الحلول المبتكرة والتمويل والحوكمة الشاملة”، سبل الانتقال من الحلول الفردية والمجزأة إلى استثمارات إقليمية مشتركة. واستعرض الوزراء المشاركون مبادرات رائدة في مجالات الموارد المائية غير التقليدية، مثل تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، بالإضافة إلى الحلول الرقمية والابتكارات التقنية. كما ركزت النقاشات على سبل تأمين التمويل اللازم عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المدمج، والأدوات المالية المبتكرة التي تضمن استدامة المشاريع المائية على المدى الطويل.


