وجهت باكستان تحذيراً شديد اللهجة إلى جارتها الهند، مؤكدة أن أي محاولة لتقليص أو حرمانها من حصتها المائية المقررة بموجب معاهدة مياه السند التاريخية ستُعامل كـ “إعلان حرب” صريح. وجاء هذا الموقف الحازم على لسان وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، ومسؤولين حكوميين بارزين خلال ندوة دولية ناقشت التحديات الراهنة التي تواجه الاتفاقية الموقعة عام 1960 برعاية البنك الدولي، والتي تنظم تقاسم مياه نهر السند وروافده بين البلدين الجارين.
تصعيد غير مسبوق يهدد معاهدة مياه السند
وشدد وزير الخارجية الباكستاني على أن المياه تمثل شريان الحياة لبلاده، ولا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف تحويلها إلى أداة للضغط السياسي أو وسيلة لإذكاء الصراعات الإقليمية. ودعا دار إلى ضرورة احترام القانون الدولي والالتزام بالتعاون المشترك بين الدول المتشاطئة، واصفاً قرار نيودلهي الأحادي بتتعليق مشاركتها في الاتفاقية بأنه إجراء “غير قانوني” ومخالف للأعراف الدولية، مؤكداً أن الاتفاقية تظل ملزمة قانونياً للطرفين ولا يمكن إلغاؤها بشكل منفرد من جانب واحد.
جذور الصراع المائي والخلفية التاريخية للاتفاقية
تعود جذور هذا النزاع المائي إلى فترة تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، حيث وجدت باكستان نفسها في موقع المصب لنهر السند وروافده التي تنبع وتمر أولاً عبر الأراضي الهندية الخاضعة لسيطرة نيودلهي. ولتجنب مواجهات عسكرية مدمرة في ذلك الوقت، رعى البنك الدولي مفاوضات شاقة استمرت لسنوات، وتوجت بتوقيع معاهدة مياه السند في سبتمبر من عام 1960.
منحت هذه المعاهدة الهند السيطرة الكاملة على ثلاثة أنهار شرقية (رافي، وبياس، وسوتليج)، بينما خصصت لباكستان الأنهار الغربية الثلاثة (السند، وجيلوم، وتشيناب). وعلى مدار أكثر من ستة عقود، ورغم اندلاع عدة حروب كبرى وأزمات حدودية متكررة بين القوتين النوويتين، صمدت هذه المعاهدة كواحدة من أنجح نماذج الدبلوماسية المائية في العالم، مما يجعل التهديد الحالي بانهيارها سابقة خطيرة للغاية تهدد الأمن المائي الإقليمي.
تداعيات التصعيد المائي على الاستقرار الإقليمي والدولي
يأتي هذا التصعيد الأخير في سياق توترات أمنية متزايدة بدأت في أبريل 2025، عقب هجوم استهدف سياحاً في الشطر الهندي من إقليم كشمير المتنازع عليه. واتهمت نيودلهي إسلام آباد بالوقوف وراء الهجوم، وهو ما نفته الأخيرة بشدة. وتطورت الأزمة سريعاً إلى تبادل للضربات الصاروخية في مايو من العام نفسه، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع وإعلان وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.
إن انهيار الاتفاقية المائية لن يقتصر تأثيره على الجوانب البيئية والاقتصادية لباكستان، التي تعتمد بشكل شبه كامل على نهر السند في الزراعة وتوليد الطاقة، بل سيمتد ليشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين. فدخول القوتين النوويتين في “حرب مياه” قد يدفع المنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية، مما يثير قلقاً عميقاً لدى المجتمع الدولي والبنك الدولي، الضامن الأساسي للاتفاقية، والذي يواجه الآن اختباراً حقيقياً للحفاظ على هذا التوازن الهش في جنوب آسيا.


