تشهد الحدود المشتركة بين الجارتين في جنوب آسيا تصعيداً عسكرياً خطيراً، حيث أدى التوتر بين باكستان وأفغانستان إلى مواجهة مباشرة جديدة تمثلت في إسقاط طائرات مسيرة. وأعلنت حكومة طالبان في أفغانستان عن شن غارات جوية استهدفت مواقع داخل الأراضي الباكستانية، في حين أكدت إسلام آباد أن دفاعاتها الجوية اعترضت وأسقطت أربع طائرات مسيرة بدائية الصنع في إقليم بلوشستان الجنوبي الغني بالموارد الطبيعية، مما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين الطرفين.
جذور الصراع وأسباب تفاقم التوتر بين باكستان وأفغانستان
يعود الخلاف الحدودي بين البلدين إلى عقود طويلة، وتحديداً حول “خط ديورند” الذي رسمه الاستعمار البريطاني وترفض كابل الاعتراف به كحدود دولية رسمية. ورغم الدعم التاريخي الذي قدمته إسلام آباد لحركة طالبان قبل وصولها إلى السلطة في كابل عام 2021، إلا أن العلاقات شهدت تدهوراً متسارعاً بعد ذلك. تتهم باكستان جارتها بإيواء عناصر “حركة طالبان باكستان” (TTP) وتسهيل تخطيطهم لشن هجمات إرهابية داخل الأراضي الباكستانية. في المقابل، تنفي حكومة طالبان الأفغانية هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، معتبرة أن التمرد المسلح يمثل أزمة داخلية تخص الشأن الباكستاني وحده ولا علاقة لكابل بها.
تفاصيل المواجهة الجوية الأخيرة في بلوشستان وخيبر بختونخوا
في التطورات الأخيرة، أوضحت وزارة الدفاع الأفغانية أن غاراتها الجوية استهدفت ما وصفته بمركز قيادة تابع لتنظيم “داعش” في بلدة سارانان بإقليم بلوشستان، بالإضافة إلى مواقع أخرى في إقليم خيبر بختونخوا المضطرب. من جهته، أعلن الجيش الباكستاني رصد المسيرات الأفغانية فور دخولها المجال الجوي والتعامل معها بحسم وإسقاطها. وأفادت السلطات المحلية بإصابة شخصين جراء سقوط حطام إحدى المسيرات بالقرب من مدرسة حكومية في سارانان. وتأتي هذه الحادثة بعد غارات جوية باكستانية عنيفة أسفرت عن مقتل 28 مدنياً وإصابة 49 آخرين في مناطق حدودية، بررتها إسلام آباد بأنها رد مشروع على هجمات إرهابية استهدفت جنودها.
القدرات العسكرية الجوية لحكومة طالبان
تثير هذه الهجمات تساؤلات حول القدرات الجوية لحكومة طالبان. ووفقاً لبيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومقره لندن، فإن أفغانستان لا تمتلك طائرات مقاتلة نفاثة تقليدية، لكن ترسانتها العسكرية تضم ما لا يقل عن 6 طائرات خفيفة و23 طائرة هليكوبتر خلفتها القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد انسحابهم. ومع ذلك، بات من الواضح أن طالبان طورت قدرات تكنولوجية محلية لإنتاج واستخدام طائرات مسيرة بدائية الصنع، واستخدمتها بفعالية في عملياتها القتالية الأخيرة ضد القوات الباكستانية على طول الحدود المشتركة.
تداعيات التصعيد الإقليمية وفشل جهود الوساطة
يحمل هذا التصعيد العسكري تداعيات بالغة الأهمية على الصعيدين المحلي والإقليمي. فداخلياً، تزيد هذه الاشتباكات من معاناة السكان المدنيين في المناطق الحدودية الذين يقعون ضحية للضربات المتبادلة. وإقليمياً، يهدد استمرار النزاع بتقويض الأمن في جنوب آسيا، وهو ما يثير قلق القوى الإقليمية الكبرى وعلى رأسها الصين. ورغم محاولات بكين المستمرة للعب دور الوسيط الدبلوماسي وتقريب وجهات النظر بين الحليفين السابقين اللذين تحولا إلى خصمين لدودين، إلا أن جهود الوساطة الصينية لم تحقق حتى الآن أي نتائج ملموسة لوقف نزيف الدم وتهدئة الأوضاع على الحدود المشتعلة.


