أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً حقوقياً صادماً يتهم قوات الدعم السريع السودانية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الفاشر، إلى جانب تنفيذ عمليات تطهير عرقي ممنهجة استهدفت المدنيين بين عامي 2024 و2025. ويأتي هذا التقرير ليسلط الضوء مجدداً على المأساة الإنسانية المتفاقمة في إقليم دارفور، حيث يواجه السكان المحليون فظائع غير مسبوقة جراء النزاع المسلح المستمر في البلاد.
تفاصيل صادمة: كيف ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية في الفاشر؟
استند تقرير منظمة العفو الدولية إلى شهادات حية ومقابلات مفصلة أجريت مع 247 من الضحايا والشهود في شمال دارفور في الفترة الممتدة بين أوائل عام 2024 وأكتوبر 2025. ووفقاً للتقرير، فإن قوات الدعم السريع شنت هجمات واسعة النطاق وممنهجة على التجمعات السكانية المحيطة بمدينة الفاشر، والتي كانت تؤوي بشكل أساسي نازحين من قبيلة الزغاوة ذات الأصول غير العربية.
ولم تقتصر الانتهاكات على التهجير القسري، بل شملت أعمال عنف مروعة ومتعمدة ضد الأطفال، تضمنت القتل والاختطاف والتجنيد القسري والاغتصاب. كما أشار التقرير إلى قيام مقاتلي الدعم السريع بإحراق المنازل والبلدات بعد فرار سكانها، في خطوة تهدف بوضوح إلى جعل هذه المناطق غير صالحة للسكن مستقبلاً، وهو ما يرقى قانونياً إلى تصنيف “التطهير العرقي”. وأثناء الهجوم الأخير على المدينة في أكتوبر 2025، أفادت المنظمة بأن مئات المدنيين تعرضوا للإعدام الميداني والتعذيب والاعتقال التعسفي أثناء محاولتهم النجاة بأنفسهم والفرار من جحيم المعارك.
الجذور التاريخية للصراع في إقليم دارفور
يعيد هذا المشهد المأساوي إلى الأذهان ذكريات الصراع الدامي الذي اندلع في إقليم دارفور عام 2003، عندما واجهت المجموعات السكانية غير العربية هجمات عنيفة من ميليشيات “الجنجويد” – التي تشكل النواة الأساسية لقوات الدعم السريع الحالية. إن النزاع الحالي الذي بدأ في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم يكن إلا امتداداً لتراكمات سياسية وعرقية لم يتم حلها على مر العقود.
وتعتبر مدينة الفاشر ذات أهمية استراتيجية وتاريخية بالغة؛ فهي العاصمة الوحيدة في إقليم دارفور التي ظلت لفترة طويلة خارج السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع، وملاذاً لآلاف النازحين الذين فروا من المدن الأخرى مثل الجنينة ونيالا. لذا، فإن استهداف المدينة يمثل محاولة لفرض سيطرة عسكرية كاملة على الإقليم وتغيير تركيبته الديمغرافية.
تداعيات دولية وإقليمية: هل يتدخل المجتمع الدولي؟
تتجاوز تأثيرات هذه الانتهاكات الحدود السودانية لتشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليميين والدوليين. محلياً، تسببت الحرب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين، مما خلق واحدة من أسوأ أزمات النزوح والمجاعة في العالم الحديث. وإقليمياً، يضغط تدفق اللاجئين المستمر على دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان، مما يهدد باستقرار هذه الدول الهشة اقتصادياً وأمنياً.
وعلى الصعيد الدولي، وصفت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، هذه الجرائم بأنها “وصمة عار في ضمير الإنسانية”، محذرة من أن هذه الأعمال قد تكون مرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية. وتتطابق هذه الاستنتاجات مع ما خلصت إليه بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في فبراير، والتي أكدت أن الهجمات على الفاشر تحمل سمات الإبادة الجماعية. وتطالب المنظمات الحقوقية الآن بوقف فوري لإطلاق النار، وتوسيع حظر الأسلحة، ونشر قوة دولية لحماية المدنيين العزل قبل فوات الأوان.


