تُعدّ أمراض المرارة، وعلى رأسها حصوات المرارة والتهاباتها، من المشكلات الصحية الشائعة عالميًا التي تؤرق ملايين البشر سنويًا. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن ما بين 10% و15% من البالغين يعانون من حصوات المرارة، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بين النساء والأشخاص الذين يعانون من السمنة أو اضطرابات التمثيل الغذائي. تاريخياً، كانت هذه الأمراض تشكل تحدياً جراحياً كبيراً، إلا أن التطور الطبي المعاصر جعل من التعامل معها أمراً أكثر أماناً وفعالية.
التطور التاريخي والسياق العام لمواجهة أمراض المرارة
تاريخياً، عانى البشر من آلام المرارة لقرون طويلة دون تشخيص دقيق، وكانت العمليات الجراحية التقليدية لاستئصالها تنطوي على مخاطر عالية وفترات تعافي طويلة تمتد لأسابيع. ومع طفرة الطب الحديث في أواخر القرن العشرين، وتحديداً مع إدخال تقنية المنظار، أحدثت هذه التقنية ثورة حقيقية في علاج أمراض المرارة. اليوم، لم تعد الجراحة التقليدية هي الخيار الأول، بل حل محلها استئصال المرارة بالمنظار كإجراء آمن وفعال للغاية، مما قلل من نسب الوفيات والمضاعفات بشكل كبير عالمياً ومحلياً.
أسباب التهاب المرارة وعوامل الخطورة الأساسية
يوضح الأستاذ المشارك بجامعة جدة واستشاري الجراحة العامة وجراحة أورام القولون، الدكتور عبدالرحمن سعود العتيبي، أن وجود الحصوات هو السبب الأكثر شيوعاً لالتهاب المرارة بنسبة تصل إلى 95%. يحدث هذا عندما تسد إحدى الحصوات القناة المرارية، مما يؤدي إلى احتباس السائل الصفراوي وارتفاع الضغط داخل العضو الصغير الذي لا يتجاوز وزنه 50 غراماً وسعته 100 ملليلتر. وتزداد احتمالية الإصابة لدى فئات معينة مثل النساء، وكبار السن، والحوامل، ومن يعانون من السمنة أو فقدان الوزن السريع. وفي 5% من الحالات، قد يحدث الالتهاب دون حصوات نتيجة خلل في صمام القناة المرارية، وهو ما يعرف بالالتهاب غير الحصوي.
كيف تفرق بين ألم المرارة والآلام الأخرى؟
من الأهمية بمكان التمييز بين ألم المرارة وألم المعدة أو القولون العصبي أو ارتجاع المريء. يظهر ألم المرارة عادة في الجزء العلوي الأيمن من البطن، ويكون شديداً ومستمراً، ويزداد بعد تناول الوجبات الدسمة، وقد يمتد إلى الكتف الأيمن أو أعلى الظهر نتيجة تشارك الأعصاب. ويؤكد الدكتور العتيبي أن التشخيص الدقيق عبر الفحص السريري والموجات الصوتية (السونار) هو الخطوة الأساسية لضمان نجاح العلاج، حيث تشير الدراسات إلى تحسن 80% من المرضى بعد الاستئصال، بينما قد تستمر الأعراض لدى الآخرين إذا لم يكن التشخيص دقيقاً من البداية.
المضاعفات الخطيرة ومتى تصبح الحالة طارئة؟
يشير أخصائي الطب والجراحة ومدير العيادات الخارجية بمستشفى الملك عبدالعزيز بجدة، الدكتور أحمد منشي، إلى أن حالة المرارة تصبح طارئة وتستدعي التدخل الجراحي العاجل عند حدوث التهاب حاد مصحوب بألم شديد، وارتفاع في درجة الحرارة، وغثيان مستمر، أو ظهور اليرقان (اصفرار الجلد والعينين) الذي يدل على تأثر القنوات الصفراوية. تأجيل التدخل الطبي في هذه الحالات قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد الحياة، مثل انفجار المرارة، أو تكوّن خراء، أو انسداد القنوات الصفراوية، أو التهاب البنكرياس الحاد الذي قد تصل نسبة الوفيات فيه إلى 5% إذا لم يُعالج بشكل عاجل.
دور الهرمونات والأنظمة الغذائية في الإصابة
من جانبه، يوضح استشاري الجهاز الهضمي والمناظير، الدكتور عبدالله العنزي، أن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المرارة نتيجة تأثير الهرمونات الأنثوية والحمل والولادة على وظائف المرارة. ويضيف أن الصيام يعتبر جزءاً من علاج الالتهاب الحاد لأنه يريح المرارة، بينما يُسمح لمرضى الحصوات غير الملتهبة بالصيام طبيعياً. وينصح الدكتور العنزي بضرورة اتباع نظام غذائي قليل الدهون وتجنب الوجبات الدسمة للحد من انقباضات المرارة المؤلمة.
الأثر المحلي والدولي لجهود مكافحة أمراض المرارة
على الصعيد الدولي، تسعى منظمة الصحة العالمية للحد من انتشار هذه الأمراض عبر تعزيز برامج مكافحة السمنة والسكري ونشر إرشادات الوقاية. ومحلياً، تبذل وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية جهوداً جبارة من خلال مبادرات وطنية لتحسين نمط الحياة وعيادات التغذية، وتوفير أحدث تقنيات التشخيص والجراحة بالمنظار بنسب نجاح عالمية ومضاعفات منخفضة للغاية. كما تسهم الجمعيات المتخصصة، مثل الجمعية السعودية للجهاز الهضمي والجمعية السعودية للغذاء والتغذية، في رفع الوعي وتدريب الكوادر الطبية لتقديم أفضل رعاية ممكنة، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة المجتمع وصحته العامة.


