تعتبر مسيرة الإعلامي القدير علي فقندش علامة فارقة في تاريخ الإعلام السعودي والعربي، حيث ارتبط اسمه بريادة وتأسيس الصحافة الفنية في المملكة العربية السعودية. في وقت كانت فيه الحركة الفنية والإعلامية تخطو خطواتها الأولى، برز علي فقندش كأحد أهم الأقلام التي آمنت بأن الفن ليس مجرد ترفيه، بل هو رسالة ثقافية وحضارية تستحق التوثيق والاهتمام، مكرساً حياته لخدمة المبدعين وحفظ الذاكرة الفنية للوطن.
البدايات التاريخية وتأسيس مدرسة علي فقندش الصحفية
تأسست الصحافة الفنية في المملكة في عقود مضت وسط تحديات عديدة، حيث كان شق الطريق في هذا المجال يتطلب شغفاً حقيقياً وإيماناً عميقاً بالهوية الثقافية المحلية. في هذا السياق التاريخي، عمل علي فقندش لسنوات طويلة في صحيفة “عكاظ” العريقة، متنقلاً بين صفحات الفن واستوديوهات الإذاعة والتلفزيون. لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان شاهداً ومشاركاً في صياغة المشهد الإبداعي. أجرى مئات الحوارات الصحفية المعمقة مع رواد الأغنية والدراما في السعودية والخليج والعالم العربي، مثل طلال مداح ومحمد عبده وغيرهم من العمالقة، مما جعل أرشيفه مرجعاً تاريخياً لا غنى عنه للباحثين في تاريخ الفن العربي.
صانع النجوم والأثر الممتد محلياً وإقليمياً
لم تقتصر أهمية تجربة هذا الإعلامي الكبير على التوثيق والكتابة فحسب، بل امتد تأثيره ليكون “صانعاً للنجوم” بامتياز. يمتلك حساً نقدياً فريداً وقدرة على اكتشاف المواهب الشابة وتقديمها للجمهور والساحة الإعلامية بكل سخاء. هذا الدور الريادي ساهم في إثراء الساحة الفنية بأسماء لامعة أصبحت اليوم من أعمدة الفن العربي. محلياً، ساهمت جهوده في مأسسة النقد الفني والارتقاء بأسلوب الحوار الإعلامي ليكون هادئاً ورصيناً. وإقليمياً ودولياً، نجح في مد جسور التواصل الثقافي بين الفن السعودي ومحيطه العربي، مسلطاً الضوء على ثراء الفنون الشعبية والتراثية للمملكة وتطورها المستمر.
شهادة وفاء وإرث إنساني لا يغيب
إلى جانب عطائه المهني الزاخر، يُجمع كل من عاصر هذا الرمز على نبل أخلاقه وتواضعه الجم. لقد كان دائماً بمثابة الأخ الأكبر والناصح الأمين للأجيال الجديدة من الصحفيين والكتاب. ومن واقع التجربة الشخصية، كان له فضل السبق في فتح أبواب الصحافة الثقافية والفنية أمام العديد من الأقلام الواعدة، مشجعاً وموجهاً ومحفزاً دون كلل. إن هذا الإرث الإنساني والمهني العظيم يؤكد أن المكانة الحقيقية لا تصنعها المناصب، بل يصنعها الإخلاص والوفاء للمهنة وللإنسان، ليبقى اسماً محفوراً بماء الذهب في ذاكرة الإبداع السعودي.


