حذرت شبكة أطباء السودان في بيان عاجل لها من تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية في محليات غرب بارا، مؤكدة أن هناك كارثة إنسانية في شمال كردفان باتت تهدد حياة أكثر من 200 ألف مواطن، من بينهم ما يزيد عن 20 ألف طفل. ويعيش هؤلاء السكان في ظل ظروف بالغة القسوة جراء النقص الحاد في الغذاء والدواء، وتفشي الأوبئة الفتاكة مثل الحصبة والكوليرا، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في المنطقة.
تداعيات حدوث كارثة إنسانية في شمال كردفان وتفشي الأوبئة
كشفت المعلومات الميدانية الواردة من المراكز الصحية في شمال كردفان عن تسجيل أرقام مقلقة للإصابات بالأمراض الوبائية؛ حيث تم رصد أكثر من 100 حالة إصابة بمرض الحصبة بين الأطفال، بالإضافة إلى تسجيل 45 حالة إصابة مؤكدة بالكوليرا. يأتي هذا التدهور المريع في ظل تراجع حاد وغير مسبوق في الخدمات الطبية وانعدام كامل للإمدادات والمستهلكات الطبية الأساسية.
وأشارت التقارير الطبية إلى أن عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية بالمنطقة باتت تعمل دون أي إمدادات طبية أو أدوية منقذة للحياة. ومن أبرز هذه المرافق المتضررة مستشفى “طيبة الزعتري”، ومستشفى “أم كريدم”، إلى جانب مراكز صحية حيوية أخرى مثل “الشقيلة أولاد عوانة”، “أم سعدون الناظر”، “أم ضوبان”، “المرة”، “الحاج اللين”، “دميرة عبدو”، “الكوكيتي”، “القاعة”، “أم هجليج”، “دويد”، “الشوق”، “أم عشيرة”، و”النبذة”.
الجذور التاريخية والسياق العام للأزمة السودانية
تأتي هذه الأزمة الراهنة كجزء من التداعيات الكارثية للصراع المسلح المستمر في السودان منذ منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. هذا النزاع الدامي لم يقتصر تأثيره على العاصمة الخرطوم فحسب، بل امتد ليلتهم الأخضر واليابس في مختلف الولايات السودانية، ولا سيما ولايات دارفور وكردفان.
تاريخياً، عانت مناطق غرب بارا وشمال كردفان من تهميش تنموي ونقص في البنية التحتية الصحية والمائية، وجاءت الحرب الحالية لتقضي على ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي والخدمي. إن الحصار المفروض على الطرق الرئيسية وصعوبة حركة القوافل التجارية والإنسانية أدت إلى عزل هذه المناطق تماماً، مما جعل الحصول على أبسط مقومات الحياة مثل مياه الشرب النظيفة والدواء أمراً شبه مستحيل.
أبعاد وتأثيرات الأزمة على المستويين المحلي والإقليمي
تتوزع الأعداد الضخمة للمتضررين على عدة وحدات إدارية حيوية في الولاية؛ حيث يبلغ عدد سكان “طيبة الزعتري” المتأثرين نحو 50 ألف نسمة، و”أم كريدم” 50 ألفاً، و”المزوروب” 40 ألفاً، و”أم سعدون” 30 ألفاً، و”دميرة” 25 ألفاً، و”الحاج اللين” 20 ألفاً، ليصل إجمالي المواطنين الذين يواجهون خطراً محدقاً بالموت جوعاً أو مرضاً إلى أكثر من 200 ألف شخص.
محلياً، يهدد هذا الوضع بحدوث موجات نزوح جماعي واسعة النطاق نحو المدن الأكثر استقراراً أو معسكرات الإيواء المكتظة أصلاً، مما يضاعف الضغط على الموارد الشحيحة. إقليمياً ودولياً، يحذر الخبراء من أن استمرار تدفق اللاجئين السودانيين نحو دول الجوار سيزيد من الأعباء الاقتصادية والأمنية على المنطقة بأسرها، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لفرض ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية.
نداءات دولية عاجلة لإنقاذ المدنيين في كردفان
أطلقت شبكة أطباء السودان نداءً عاجلاً إلى الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية، والجهات الصحية الإقليمية، بضرورة التدخل الفوري والسريع لكسر الحصار وإيصال الأدوية والمحاليل الوريدية واللقاحات للأطفال والمستلزمات الطبية الطارئة.
إن منع القوات المسيطرة على المنطقة لدخول الإمدادات الغذائية والطبية يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية والإنسانية، وينذر بكارثة غير مسبوقة قد تؤدي إلى ارتفاع مهول في معدلات الوفيات، لا سيما بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن الذين يمثلون الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.


