spot_img

ذات صلة

قمة الناتو في أنقرة: تعزيز الدفاع ومواجهة ضغوط ترمب

وسط تحديات جيوسياسية متسارعة وتوترات أمنية متصاعدة على الساحتين الإقليمية والدولية، انطلقت اليوم الثلاثاء في العاصمة التركية أعمال قمة الناتو في أنقرة بمشاركة قادة الدول الأعضاء البالغ عددها 32 دولة. ويأتي هذا الاجتماع الذي يستمر على مدار يومين في وقت حساس للغاية، حيث يسعى الحلفاء الأوروبيون إلى إيجاد صيغة متوازنة لتلبية مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرامية إلى زيادة الإنفاق العسكري وتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، بالتزامن مع السعي الحثيث لتعزيز القدرات الدفاعية للحلف في مواجهة التهديدات الخارجية.

قمة الناتو في أنقرة واختبار الهوية والالتزام التاريخي للحلف

تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949 كدرع دفاعي جماعي لمواجهة التهديدات الأمنية في حقبة الحرب الباردة. وعلى مر العقود، واجه الحلف محطات مفصلية تطلبت إعادة صياغة استراتيجياته العسكرية والسياسية. واليوم، تعيد هذه القمة تسليط الضوء على المادة الخامسة من معاهدة الحلف المتعلقة بالدفاع المشترك، ولكن بمتطلبات تمويلية جديدة تفرضها الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترمب. وتأتي هذه القمة في ظل تحولات كبرى تشهدها القارة الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مما دفع الحلفاء إلى مراجعة شاملة لخطط التسلح وجاهزية القوات المشتركة.

سباق التسلح وزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة التهديدات

تتصدر ملفات تعزيز الإنفاق العسكري وتحديث الترسانات الدفاعية جدول أعمال القمة الحالية. وتسعى الدول الأوروبية جاهدة لترجمة تعهداتها السابقة برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 إلى خطوات عملية ملموسة. وفي هذا السياق، أعلن الأمين العام للحلف، مارك روته، أن الدول الأوروبية وكندا أحرزت تقدماً ملموساً في هذا المسار، حيث يُتوقع أن يصل حجم الاستثمارات الإضافية في قطاع الدفاع خلال عامي 2025 و2026 إلى نحو 258 مليار دولار، مما يعزز جاهزية الحلف لمواجهة التهديدات الروسية المتزايدة.

وكجزء من هذه الجهود، أعلنت كندا عن خطوة استراتيجية باختيار شركة ألمانية لبناء أسطول جديد من الغواصات ضمن برنامج دفاعي ضخم بمليارات الدولارات، مما يعكس توجهاً واضحاً لتعزيز التعاون الدفاعي العابر للأطلسي.

احتواء ضغوط ترمب وملفات أوكرانيا وإيران الساخنة

تحمل هذه القمة بعداً سياسياً بالغ الأهمية، حيث يسعى القادة الأوروبيون إلى إرسال رسائل طمأنة واضحة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي انتقد مراراً ما يراه عدم توازن في تقاسم الأعباء المالية داخل الحلف. ومن المنتظر أن يشهد اليوم الأول للقمة افتتاح معرض ومنتدى للصناعات الدفاعية للإعلان عن صفقات تسليح جديدة بمليارات الدولارات لإثبات جدية الحلفاء في تحمل مسؤولياتهم.

إلى جانب ذلك، تخيم التطورات في الشرق الأوسط والملف الإيراني بظلالها على الاجتماعات، حيث يبحث الحلفاء سبل التنسيق لحماية الملاحة في مضيق هرمز. كما يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جانباً من الاجتماعات، مطالباً بحزمة مساعدات عسكرية جديدة تصل قيمتها إلى 140 مليار يورو لمواجهة التصعيد الروسي. ومن المتوقع عقد اجتماع ثنائي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وزيلينسكي لبحث مستقبل الدعم الأمريكي وجهود دفع موسكو وكييف نحو طاولة المفاوضات.

تأثيرات القمة على الخارطة الأمنية الإقليمية والدولية

لا تقتصر أهمية القرارات الصادرة عن هذه القمة على الجوانب العسكرية البحتة، بل تمتد لتشمل التوازنات السياسية الدولية. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، تعزز استضافة تركيا لهذه القمة من دورها كمحور ارتكاز استراتيجي بين الشرق والغرب، وتؤكد على ثقلها السياسي داخل الحلف. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح الحلفاء في تقديم جبهة موحدة وزيادة الإنفاق الدفاعي سيوجه رسالة ردع قوية إلى القوى المنافسة، وتحديداً روسيا، مما يعيد رسم ملامح الأمن الجماعي في القارة الأوروبية وخارجها لسنوات قادمة.

spot_imgspot_img