شهدت الساحة السياسية والثقافية في مصر تطوراً بارزاً تمثل في إعلان استقالة وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي من منصبها، وذلك في أعقاب صدور حكم قضائي نهائي وبات ضدها. وجاءت هذه الخطوة، وفقاً لبيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، تقديراً واحتراماً كاملاً لأحكام القضاء المصري العريق، وحرصاً من الوزيرة على رفع أي حرج سياسي أو إداري عن كاهل الحكومة المصرية بعد تأييد إدانتها في قضية شخصية تتعلق بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد.
تفاصيل الحكم القضائي الذي أطاح بالوزيرة
تعود تفاصيل الأزمة إلى قرار محكمة النقض المصرية، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد ولا يمكن الطعن على أحكامها، برفض الطعن المقدم من جيهان زكي. وأيدت المحكمة الحكم السابق الصادر عن المحكمة الاقتصادية في 9 يوليو 2025، والذي ألزمها بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه مصري (ما يعادل نحو 2000 دولار أمريكي) لصالح الكاتبة والباحثة سهير محمد عبد الحميد، مع اتخاذ إجراءات فورية لسحب الكتاب محل النزاع من الأسواق ومنع تداوله بشكل نهائي.
وكانت نيابة محكمة النقض قد أوصت في وقت سابق برفض الطعن، مؤكدة أن الحكم الابتدائي جاء متوافقاً تماماً مع صحيح القانون ومستنداً إلى أسباب كافية وصائغة لا تشوبها شائبة. وأوضحت المحكمة أن تقرير اللجنة الثلاثية المختصة أثبت وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة وتشابهات جوهرية تمس جوهر المصنف الأصلي، مؤكدة أن مجرد الإشارة للمراجع لا يعفي من المسؤولية القانونية إذا تجاوز الاقتباس الحدود المسموح بها قانوناً لحماية الملكية الفكرية.
أبعاد سياسية وقانونية وراء استقالة وزيرة الثقافة المصرية
لم تكن استقالة وزيرة الثقافة المصرية مجرد إجراء إداري عابر، بل حملت أبعاداً سياسية وقانونية عميقة في الشارع المصري. فمن الناحية التاريخية، تولي الدولة المصرية اهتماماً بالغاً بحماية حقوق الملكية الفكرية، وتعتبر القوانين المنظمة لها ركيزة أساسية لحماية الإبداع والمبدعين منذ عقود طويلة. ويأتي هذا الحكم القضائي ليرسخ مبدأ سيادة القانون المطلقة، حيث لا أحد فوق المحاسبة القضائية بغض النظر عن منصبه الرسمي أو نفوذه السياسي.
وكان تعيين جيهان زكي وزيرة للثقافة في التشكيل الوزاري في فبراير 2026 قد أثار موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية والإعلامية بسبب هذه القضية المنظورة أمام القضاء. وفي ذلك الوقت، صرح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بأن الحكومة ستتخذ الإجراءات المناسبة فور صدور حكم نهائي وبات، وهو ما تحقق بالفعل مع صدور حكم محكمة النقض الذي عجل برحيل الوزيرة احتراماً لهيبة الدولة ومؤسساتها القضائية.
تأثيرات الحدث على المشهد الثقافي والحكومي في مصر
يتوقع خبراء ومراقبون أن يترك هذا الحدث تأثيراً إيجابياً كبيراً على المشهد الثقافي المحلي والإقليمي. فهو يبعث برسالة طمأنة قوية لجميع الكتاب والباحثين بأن حقوقهم الأدبية والفكرية مصونة بقوة القانون، وأن القضاء الاقتصادي وقضاء النقض يقفان بالمرصاد لأي تجاوزات علمية أو أدبية. كما يعزز هذا الموقف من مصداقية الحكومة المصرية في تطبيق معايير الحوكمة والشفافية والنزاهة الأكاديمية في اختيار القيادات.
من جانبه، قبل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الاستقالة فور تقديمها، معرباً عن شكره للوزيرة المستقيلة على ما قدمته من جهود خلال فترة توليها الحقيبة الوزارية، متمنياً لها التوفيق في خطواتها المقبلة. وفي المقابل، أكدت جيهان زكي عزمها استكمال المسارات القانونية المتاحة مثل التماس إعادة النظر، مشددة على أن ممارسة حقوقها القانونية لا تتقاطع مع احترامها المطلق لأحكام القضاء المصري.


