شهد الملف القضائي الأكثر تعقيداً وجدلاً في الساحة الفنية العربية تحولاً دراماتيكياً حابساً للأنفاس، حيث وافق رئيس المحكمة العسكرية في لبنان، العميد وسيم فياض، على إخلاء سبيل فضل شاكر بشكل عاجل. هذا القرار المفاجئ لم يكن وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بحدثين ثقيلين قلبا الطاولة تماماً خلف الكواليس؛ تمثلا في شهادات حاسمة لجنرالات سابقين في الجيش اللبناني، وتقارير طبية حرجة خرجت من قلب المستشفى العسكري لتنهي سنوات طويلة من الملاحقة والترقب للفنان الذي غاب عن الساحة الفنية طويلاً.
من قمة الفن إلى دهاليز السياسة: الخلفية التاريخية للأزمة
يعتبر الفنان اللبناني فضل شاكر، الملقب بـ “ملك الإحساس”، أحد أبرز الأصوات الرومانسية في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، حيث حققت أغانيه ملايين المشاهدات واحتلت صدارة القوائم الغنائية لسنوات. ومع ذلك، اتخذت حياته مساراً مغايراً تماماً في عام 2012 عندما أعلن اعتزاله الفن واقترابه من جماعة الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا جنوب لبنان. بلغت الأزمة ذروتها في يونيو 2013 إثر اندلاع “أحداث معركة عبرا” الدامية بين أنصار الأسير والجيش اللبناني. منذ ذلك الحين، توارى فضل شاكر عن الأنظار داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، وصدرت بحقه أحكام غيابية مشددة، في حين ظل يؤكد باستمرار عبر محاميه ولقاءاته الإعلامية النادرة براءته التامة من سفك دماء عناصر الجيش أو المشاركة الميدانية في القتال.
شهادات جنرالات الجيش التي حسمت قرار إخلاء سبيل فضل شاكر
على مدار سنوات، ارتبط اسم فضل شاكر بالاتهامات الأمنية الخطيرة، لكن جلسات المحكمة العسكرية الأخيرة شهدت منعطفاً غير متوقع على الإطلاق. فقد مثل أمام القضاء ثلاثة من كبار الضباط السابقين في الجيش اللبناني الذين عاصروا الأحداث ميدانياً، وهم العميد ممدوح صعب، والعميد محمد الحسيني، والعميد علي شحرور. وجاءت إفاداتهم الرسمية لتبرئ ساحة الفنان ميدانياً عبر تأكيد ثلاث حقائق جوهرية:
- مجموعة حماية لا قتال: أكد الجنرالات أن القوة المسلحة الصغيرة التي كانت ترافق فضل شاكر في صيدا كانت مخصصة حصراً لحمايته الشخصية كفنان مستهدف، ولم تكن فصيلاً هجومياً أو جزءاً من الهيكل العسكري لجماعة الأسير.
- خلو من الدعم المالي واللوجستي: نفت الشهادات وجود أي أدلة تثبت قيام شاكر بتقديم دعم مالي أو لوجستي لتمويل العمليات العسكرية ضد الجيش.
- الغياب التام عن الميدان: شدد الضباط على أن فضل شاكر لم يشارك مطلقاً في أي مواجهات مسلحة أو اشتباكات مباشرة ضد عناصر الجيش اللبناني خلال تلك الأحداث الدامية.
تدهور الوضع الصحي يعجل بالخروج إلى الحرية
إلى جانب الانفراجة القانونية والميدانية التي أحدثتها شهادات الضباط، لعب الملف الطبي الساخن دوراً محورياً في صدور قرار إخلاء سبيل فضل شاكر. فقد تسلمت المحكمة العسكرية تقريراً طبياً رسمياً وعاجلاً صادراً عن المستشفى العسكري في بيروت، يحذر من خطورة استمرار احتجاز الفنان نظراً لتدهور مؤشراته الحيوية بشكل مفاجئ وحرج داخل السجن.
وبيّن التقرير الطبي المفصل أن فضل شاكر يعاني من أزمات صحية متداخلة تستدعي رعاية طبية متقدمة ومعقدة لا يمكن توفيرها إلا خارج جدران السجن، وتشمل هذه المشكلات انسداداً جزئياً خطيراً في بعض شرايين القلب الأساسية، وارتفاعاً حاداً وغير منضبط في مستويات السكر في الدم، بالإضافة إلى مشكلات طبية مفاجئة بدأت تؤثر مباشرة على الرؤية والنظر لديه.
الأهمية الإقليمية وتأثير القرار على الساحة الفنية والقانونية
يمثل هذا القرار القضائي العاجل الانتصار القانوني الأكبر لفضل شاكر، ويأتي استكمالاً لحكم البراءة الكاملة الذي ناله في مايو الماضي في قضية منفصلة تتعلق باتهامه بمحاولة قتل هلال حمود لعدم كفاية الأدلة. محلياً وإقليمياً، يمهد هذا القرار الطريق لإغلاق الستار نهائياً على واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الوسط الفني العربي.
يتوقع المراقبون أن يكون لقرار إخلاء سبيل فضل شاكر صدى واسع وتأثير إيجابي كبير على الساحة الفنية العربية، حيث يترقب الملايين من عشاقه عودته الرسمية إلى الغناء وإطلاق أعمال فنية جديدة تعيد لـ “ملك الإحساس” مكانته الطبيعية بعد سنوات من الغياب القسري. كما يرسخ هذا الحكم مبدأ العدالة القضائية القائمة على الحقائق والشهادات الميدانية الموثوقة بعيداً عن التجاذبات السياسية.


