تترقب سماء المنطقة العربية خلال الساعات القليلة القادمة، وتحديداً قبيل شروق شمس يوم غدٍ الخميس، ذروة تساقط شهب دلتا الدلويات السنوية. وتعد هذه الظاهرة الفلكية البديعة واحدة من أكثر الأحداث التي ينتظرها هواة الفلك ومحترفو التصوير الفلكي في الوطن العربي والعالم، حيث تتيح رؤية شهب مضيئة تعبر السماء بالعين المجردة في المناطق البرية البعيدة عن التلوث الضوئي للمدن.
تفاصيل رصد شهب دلتا الدلويات وأفضل الأوقات لمتابعتها
أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبو زاهرة، أن زخة شهب دلتا الدلويات قد تسجل في أفضل أحوالها الرصدية ما يقارب 25 شهاباً في الساعة الواحدة. وأشار إلى أن العدد الفعلي الذي يمكن رصده يتأثر بعدة عوامل طبيعية وبيئية، يأتي في مقدمتها مستوى صفاء الغلاف الجوي، ومدى الابتعاد عن التلوث الضوئي، بالإضافة إلى مدى سطوع القمر في ليلة الرصد.
وبين أبو زاهرة أن الوقت المثالي لبدء مراقبة هذه الظاهرة يبدأ من الساعة الثالثة فجراً تقريباً، بالتزامن مع ارتفاع نقطة إشعاع الشهب في الأفق الجنوبي للسماء، ويستمر هذا النشاط حتى خيوط الفجر الأولى. ونظراً لاقتراب القمر من طور البدر، فإن إضاءته المرتفعة قد تحجب الرؤية عن الشهب الخافتة، إلا أن الشهب الأكثر لمعاناً وقوة ستظل مرئية بوضوح للراصدين بالعين المجردة أو عبر عدسات الكاميرات.
الخلفية العلمية ومصدر زخة الشهب السنوية
تكتسب هذه الشهب تسميتها نظراً لأنها تبدو ظاهرياً للراصدين وكأنها تنطلق من نقطة محددة في كوكبة الدلو، وتحديداً بالقرب من النجم اللامع “دلتا الدلو”. ومع ذلك، يمكن للشهب أن تظهر وتتحرك في أي اتجاه عبر قبة السماء بأكملها دون الارتباط بجهة محددة للرصد.
وتشير الدراسات الفلكية التاريخية إلى أن المصدر الأساسي لهذه الزخة الشهابية هو المذنب الدوري المعروف باسم “96P/ ماكهولز” (96P/Machholz). فعندما تقترب الأرض في مدارها السنوي حول الشمس من المسار الغباري الذي يخلفه هذا المذنب، تدخل هذه الجسيمات الدقيقة والغبارية الغلاف الجوي للأرض بسرعة هائلة تصل إلى نحو 41 كيلومتراً في الثانية. ونتيجة للاحتكاك الشديد بجزيئات الهواء، تحترق هذه الجسيمات على ارتفاعات شاهقة تتراوح بين 70 و100 كيلومتر، مما ينتج عنه تلك الخطوط الضوئية الساحرة التي نراها في السماء، والتي قد تترك خلفها ذيولاً ضوئية تدوم لعدة ثوانٍ.
الأهمية الفلكية والتأثير العلمي لظاهرة الشهب
تحظى ظاهرة تساقط الشهب بأهمية بالغة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمن الناحية العلمية، تتيح هذه الظواهر لعلماء الفلك فرصة ذهبية لدراسة تركيبة المذنبات والمواد الغبارية المنتشرة في نظامنا الشمسي دون الحاجة لإرسال مركبات فضائية مكلفة، وذلك من خلال تحليل الطيف الضوئي الناتج عن احتراق هذه الشهب في الغلاف الجوي للأرض.
أما على المستوى المجتمعي والسياحي، فإن مثل هذه الأحداث الفلكية تسهم بشكل فعال في نشر الثقافة العلمية ورفع الوعي الفلكي بين أفراد المجتمع، وتنشيط ما يُعرف بـ “السياحة الفلكية”؛ حيث تنظم الجمعيات الفلكية والمراكز العلمية في مختلف الدول العربية رحلات رصد جماعية إلى المناطق البرية والصحراوية البعيدة عن صخب المدن، مما يعزز التواصل بين الهواة والخبراء ويوفر بيئة مثالية لالتقاط صور فلكية مذهلة توثق جمال الكون.
الجدير بالذكر أن نشاط شهب دلتا الدلويات يمتد سنوياً من منتصف شهر يوليو وحتى أواخر شهر أغسطس، وسيتداخل تدريجياً خلال الأيام القادمة مع بداية نشاط زخة شهب “البرشاويات” الشهيرة، مما يجعل نهاية شهر يوليو وبداية شهر أغسطس من أكثر فترات العام غزارة بالظواهر الشهابية المثيرة للاهتمام.


