طالب الاتحاد الألماني لكرة القدم بإجراء تحقيق شامل وشفاف حول الآلية التي تم بها إعداد مشروع الفيفا المثير للجدل، والذي يهدف إلى السماح بدخول مستثمرين من القطاع الخاص في الأنشطة التجارية للبطولات الكبرى. وجاءت هذه المطالبة القوية لتفتح “الصندوق الأسود” لقرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم، وسط مطالبات بإصلاحات هيكلية واسعة في منظومة الحوكمة الكروية العالمية، مما يعكس عمق الفجوة بين الاتحادات الأوروبية الكبرى وقيادة الفيفا الحالية برئاسة جياني إنفانتينو.
أبعاد الخلاف حول مشروع الفيفا الاستثماري
تأتي هذه التطورات المتسارعة بعد أن أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تراجعه مؤقتاً عن المضي قدماً في هذا المشروع الاستثماري الضخم. وكان المقترح، الذي تبناه إنفانتينو، قد واجه جداراً صلباً من الاعتراضات قاده الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) إلى جانب عدد من الاتحادات القارية والوطنية المؤثرة. وتركزت المخاوف الأساسية حول غياب الشفافية وطريقة اتخاذ القرار داخل أروقة الفيفا، فضلاً عن التداعيات طويلة المدى لخصخصة أجزاء من الحقوق التجارية لأهم البطولات العالمية.
وكان الاتحاد الألماني لكرة القدم من أبرز الأصوات المعارضة، حيث لوّح في وقت سابق بإمكانية مقاطعة مسابقات الفيفا إذا استمرت الإدارة في تجاهل مخاوف الأعضاء. وفي تصريحات صحفية لوكالة “سيد” الألمانية التابعة لوكالة الصحافة الفرنسية، أكد بيرند نويندورف، رئيس الاتحاد الألماني، أن إدارة الفيفا تعاملت مع هذا الملف الحساس بشكل أحادي الجانب وبمعزل عن التشاور الحقيقي، معتبراً أن هذا الأسلوب لا ينسجم مع المسؤولية الأخلاقية والرياضية للمؤسسة تجاه اللعبة عالمياً.
صراع القوى وتأثيره على مستقبل الكرة العالمية
لا يمكن قراءة الموقف الألماني بمعزل عن السياق التاريخي والثقافي للكرة الألمانية؛ إذ تشتهر ألمانيا بنظام “50+1” الذي يحمي الأندية من سيطرة المستثمرين الأجانب والقطاع الخاص بالكامل، وهو ما يجعل الاتحاد الألماني مدافعاً طبيعياً عن هوية اللعبة الشعبية ضد التجارة المطلقة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يمثل هذا الصدام فصلاً جديداً من الصراع المستمر على النفوذ والإيرادات بين يويفا وفيفا، خاصة مع سعي الأخير لتوسيع بطولاته مثل كأس العالم للأندية بنظامها الجديد.
ويمتد التأثير المتوقع لهذه الأزمة إلى إعادة رسم خارطة العلاقات السياسية داخل المنظومة الرياضية الدولية. فدخول الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على خط المواجهة وتأييده للمطالب الألمانية بمراجعة شاملة لآليات الحوكمة يوضح أن القوى التقليدية في أوروبا لن تقبل بتمرير قرارات مصيرية دون شراكة حقيقية. هذا الضغط قد يجبر الفيفا على إعادة النظر في استراتيجياته التسويقية والاستثمارية المستقبلية، لا سيما بعد الإعلان عن تحقيق عائدات قياسية متوقعة من بطولة كأس العالم 2026.
نحو نموذج إداري يقوم على الشراكة والحوار
شدد نويندورف على أن الاتحاد الألماني، بالتنسيق مع يويفا والاتحادات القارية الأخرى، لن يكتفي بالمعارضة السلبية، بل سيعمل جاداً على الدفع نحو ترسيخ ثقافة إدارية جديدة ومختلفة داخل الفيفا. هذه الثقافة يجب أن تقوم على الحوار المفتوح ومشاركة جميع الأعضاء في صناعة القرارات الاستراتيجية عبر هيئات الحوكمة المعتمدة والمستقلة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الأزمات التي تهدد استقرار وتماسك مجتمع كرة القدم العالمي.


