تستأنف المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية جولتها الثانية في العاصمة الإيطالية روما، في محاولة جديدة لكسر الجمود الدبلوماسي الراهن. وتمتد هذه الجولة على مدار ثلاثة أيام وسط انسداد سياسي وأجواء إقليمية ملبدة بالتوترات العسكرية والميدانية التي تفرض ظلالها الثقيلة على جدول الأعمال. وتأتي هذه اللقاءات في توقيت دقيق للغاية، حيث تراهن الرئاسة اللبنانية على أن تسفر نتائج زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى البيت الأبيض ولقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دفع إيجابي للمسار التفاوضي، على الرغم من أن المعطيات الميدانية تشير إلى بقاء المحادثات في حلقة مفرغة دون تحقيق أي اختراق ملموس حتى الآن.
عقدتان رئيسيتان تعرقلان مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية
تتركز التعقيدات الأساسية في هذه الجولة حول ملفين شائكين يهددان بانهيار المحادثات. الملف الأول يتعلق بتحديد “المناطق التجريبية” الجديدة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر. وفي هذا السياق، يُطرح اسم بلدة الخيام، ذات الأهمية الاستراتيجية الفائقة في القطاع الشرقي، كبديل لمدينة بنت جبيل. ويأتي هذا الطرح في ظل رفض إسرائيلي متواصل للتراجع أو التسليم بأي صيغة تضمن السيادة اللبنانية الكاملة على هذه النقاط الحساسة، مما يضع الوفد اللبناني أمام تحديات تفاوضية معقدة.
أما العقبة الثانية، فتمس بشكل مباشر “آلية التحقق والمراقبة” المقترحة عقب أي انسحاب مفترض للقوات الإسرائيلية. فبينما تسعى تل أبيب جاهدة للاحتفاظ بدور إشرافي وأمني مباشر يتيح لها التدخل الميداني، يرفض الوفد اللبناني هذا الطرح جملة وتفصيلاً، متمسكاً بالسيادة الوطنية الكاملة على أراضيه. هذا الاستعصاء دفع الأطراف نحو البحث عن طرف ثالث لتولي مهام المراقبة. ورغم إبداء إيطاليا استعدادها للقيام بهذا الدور واقتراح أسماء دول أخرى مثل بريطانيا، لا تزال إسرائيل تبدي تحفظات شديدة على منح الدول الأوروبية أي دور رقابي فاعل في المنطقة.
السياق التاريخي والدبلوماسي لمحادثات روما
تأتي جولة “روما 2” كاستمرار لجهود دولية طويلة تهدف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية الجنوبية، والتي شهدت تاريخياً نزاعات مستمرة وحروباً استنزافية. وتستند هذه المفاوضات في خلفيتها إلى القرارات الدولية ذات الصلة، لاسيما القرار 1701، الذي يسعى لبنان لتطبيقه بالكامل لضمان أمنه وسيادته. ومع غياب الزخم الأمريكي القوي الذي كان يرافق الجولات السابقة، يرى مراقبون عسكريون أن نتائج زيارة واشنطن الأخيرة قد يكون لها تأثير سياسي داخلي في لبنان أكثر من كونه تأثيراً تفاوضياً مباشراً على الطاولة الإيطالية، مما يضعف من فرص التوصل إلى اتفاق سريع.
على الضفة الدبلوماسية، يترأس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني بمشاركة السفيرة ندى حمادة ووفد عسكري موسع يقوده العميد جورج رزق الله، إلى جانب خبراء متخصصين في المساحة والاقتصاد والقانون الدولي، مما يعكس الجدية اللبنانية في مقاربة الملفات التقنية والحدودية بدقة متناهية.
الأبعاد الإقليمية وتأثير الاستنزاف الميداني
على الصعيد الإقليمي والدولي، تحظى هذه المفاوضات بمتابعة دقيقة نظراً لتأثيرها المباشر على أمن شرق المتوسط واستقرار ملفات الطاقة والحدود. محلياً، نجح الحراك الدبلوماسي في إعادة ترتيب البيت الداخلي اللبناني، وهو ما تجسد في اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الجمهورية جوزيف عون، حيث غلّب بري الاعتبارات الدستورية لتثبيت الاستقرار الداخلي. ويتزامن ذلك مع تلقي لبنان رسائل عربية واضحة تربط دعم إعادة الإعمار بتحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية المحيطة.
ميدانياً، يخيم الاستنزاف العسكري المستمر في الجنوب اللبناني على المسار السياسي برمته. وتشوش الخروقات والتفجيرات الإسرائيلية اليومية على جدول أعمال التفاوض، مما يقلص من فرص تحقيق أي خرق حقيقي. وأمام هذا الواقع المتأزم والتصلب الإسرائيلي الرافض للتنازل عن الشروط الأمنية، تنعقد جولة “روما 2” كمنصة أخيرة لمنع إغلاق قنوات الاتصال الدبلوماسية، لتظل المحادثات العسكرية والتقنية رهينة للتطورات الميدانية المتسارعة بانتظار ما ستسفر عنه التوازنات الإقليمية الكبرى في المرحلة المقبلة.

