تتجه العاصمة اللبنانية بيروت نحو خطوة ثقافية بارزة تهدف إلى تكريم زياد الرحباني وأحمد قعبور، وهما من القامات الفنية والرمزية التي شكلت وجدان الشعب اللبناني والعربي على مدار عقود. وتأتي هذه المبادرة من خلال دراسة بلدية بيروت لإطلاق اسميهما على شارعين رئيسيين في المدينة، في خطوة تسعى إلى صون الذاكرة الجماعية والاحتفاء بالإرث الإبداعي الذي قدمه هذان الفنانان الكبيران للموسيقى والمسرح والأغنية الوطنية الملتزمة.
إرث فني يمتد لعقود في ذاكرة بيروت
لطالما كانت بيروت حاضنة للمبدعين، ويأتي الاحتفاء بهذين الرمزين ليعيد تسليط الضوء على العصر الذهبي للفن اللبناني الملتزم. زياد الرحباني، الابن العبقري للموسيقار عاصي الرحباني وجارة القمر فيروز، لم يكن مجرد ملحن أو كاتب مسرحي، بل كان مدرسة فنية قائمة بذاتها. امتازت أعماله بالجرأة والنقد الاجتماعي والسياسي اللاذع الذي لامس هموم المواطن البسيط، وقدم للمكتبة الموسيقية العربية ألحاناً خالدة دمجت بين الشرق والغرب والجاذبية الموسيقية الفريدة.
أما الفنان أحمد قعبور، فقد ارتبط اسمه بالذاكرة النضالية والإنسانية من خلال أغنيته الشهيرة “أناديكم” التي صاغ كلماتها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد. هذه الأغنية لم تكن مجرد عمل فني عابر، بل تحولت إلى نشيد وطني وإنساني يتردد صداه في مختلف أرجاء الوطن العربي، معبراً عن الصمود والأمل في وجه الاحتلال والظلم، ومجسداً روح التضامن الإنساني.
الأثر الثقافي والاجتماعي وراء تكريم زياد الرحباني وأحمد قعبور
تحمل هذه الخطوة أبعاداً هامة على المستويات المحلية والإقليمية. فعلى الصعيد المحلي، يساهم إطلاق أسماء المبدعين على شوارع بيروت في تعزيز الهوية الثقافية للمدينة وتذكير الأجيال الصاعدة بالقيم الفنية والإنسانية التي دافع عنها هؤلاء الرواد. إن تحويل الشوارع من مجرد ممرات جغرافية إلى معالم تحمل أسماء صناع الجمال هو تكريس لثقافة الوفاء والتقدير، وخطوة هامة نحو إبعاد الفضاء العام عن التجاذبات السياسية والتركيز على الرموز الجامعة.
أما إقليمياً ودولياً، فإن بيروت تؤكد من خلال هذه المبادرة على دورها الريادي كعاصمة للثقافة والفكر في الشرق الأوسط، متجاوزةً الأزمات السياسية والاقتصادية لتثبت أن الفن يظل الجسر الأقوى للتواصل الإنساني والرسالة الأبقى التي تتحدى الزمن.
تفاصيل المبادرة البلدية ومواقع التكريم
وفقاً للبيان الصادر عن دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت، فإن المقترح يدرس تسمية أحد شوارع منطقة “رأس بيروت” العريقة باسم زياد الرحباني، نظراً للارتباط الوثيق لهذا الحي بالحركة الثقافية والجامعية والمسرحية في العاصمة. وفي المقابل، سيحمل أحد شوارع منطقة “عين المريسة” الساحلية اسم أحمد قعبور، وهي المنطقة التي طالما ألهمت الفنانين والشعراء بإطلالتها الساحرة على البحر الأبيض المتوسط وارتباطها بالذاكرة البيروتية الأصيلة.
وقد أوضح محافظ بيروت، القاضي مروان عبود، أن هذا التوجه يمثل تحية إجلال وتقدير لمسيرة فنية حافلة بالعطاء، مؤكداً أن بلدية بيروت حريصة على إبراز الوجه الحضاري للمدينة من خلال تكريم قاماتها التي رفعت اسم لبنان عالياً في المحافل العربية والدولية، وظلت وفية لقضايا الإنسان والوطن.

