عاد ملف التكنولوجيا ليشعل فتيل التوتر الدبلوماسي والسياسي بين تايوان (تايبيه) والصين (بكين)، حيث تسبب استخدام تطبيقات إلكترونية صينية المنشأ في إثارة موجة جديدة من الخلافات الحادة بين الجانبين. وتأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات عبر المضيق حساسية مفرطة، لتتحول منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الخدمية من مجرد أدوات ترفيهية أو خدمية إلى ساحة معركة جديدة تتعلق بالأمن القومي والسيادة الرقمية.
السياق العام: من المواجهة العسكرية إلى الحرب الرقمية
لفهم عمق هذا الخلاف، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات بين الجانبين التي تعود إلى عام 1949 وما تبعها من انفصال سياسي. لطالما كانت تايوان نقطة خلاف جوهرية بالنسبة لبكين التي تعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما تتمسك تايبيه بحكمها الذاتي ونظامها الديمقراطي. في السنوات الأخيرة، ومع تطور التكنولوجيا، انتقل الصراع من التهديدات العسكرية التقليدية والمناورات البحرية والجوية إلى ما يُعرف بـ «المنطقة الرمادية» والحروب السيبرانية.
وتنظر السلطات في تايوان بعين الريبة إلى التطبيقات الصينية الشهيرة (مثل تيك توك «دوين» وشياوهونغشو)، مستندة في مخاوفها إلى قانون الاستخبارات الوطنية الصيني الصادر عام 2017، والذي يلزم الشركات الصينية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات في بكين وتسليم البيانات إذا طُلب منها ذلك. هذا الإطار القانوني جعل من أي تطبيق صيني «حصان طروادة» محتمل في نظر المسؤولين التايوانيين، مما دفعهم لاتخاذ إجراءات صارمة شملت حظر استخدام هذه التطبيقات على الأجهزة الحكومية.
أبعاد الخلاف: الأمن القومي وحرب المعلومات
لا يقتصر الخلاف الحالي على مجرد جمع البيانات، بل يتعداه إلى ما تصفه تايبيه بـ «الحرب المعرفية». تتهم الحكومة التايوانية بكين باستخدام خوارزميات هذه التطبيقات للتأثير على الرأي العام التايواني، ونشر المعلومات المضللة، وبث الدعاية السياسية التي تخدم أجندة الحزب الشيوعي الصيني، خاصة في أوقات الانتخابات أو الأزمات السياسية. في المقابل، ترفض بكين هذه الاتهامات وتعتبرها محاولة من الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في تايوان لقطع الروابط الثقافية والاجتماعية بين الشعبين وتسييس التكنولوجيا لأغراض انفصالية.
تداعيات الأزمة وتأثيرها الإقليمي والدولي
إن لهذا الخلاف التقني تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية لتايوان والصين، حيث يندرج ضمن سياق الحرب التكنولوجية الباردة الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. يعتبر الموقف التايواني المتشدد تجاه التطبيقات الصينية صدى للسياسات الغربية والأمريكية التي تسعى لتحجيم النفوذ التكنولوجي الصيني عالمياً. محلياً، يضع هذا الخلاف المجتمع التايواني في حالة انقسام بين جيل شاب يعتمد على هذه التطبيقات للترفيه والتواصل، وبين حكومة ترى فيها تهديداً وجودياً.
ختاماً، يُظهر هذا الخلاف المستجد أن التكنولوجيا لم تعد محايدة في الصراعات الجيوسياسية، وأن «التطبيق» الذي يبدو بريئاً على الهواتف الذكية قد يكون الشرارة التي تؤجج صراعاً قديماً، مما يفرض تحديات جديدة على المشرعين وصناع القرار حول العالم في كيفية الموازنة بين الانفتاح الرقمي وحماية الأمن القومي.


