تشهد الأوساط السياسية والأمنية في اليابان حالة من الجدل غير المسبوق، إثر تسريبات وتقارير تتحدث عن اقتراحات داخلية تهدف إلى مراجعة العقيدة الدفاعية للبلاد بشكل جذري، وصولاً إلى احتمالية النظر في امتلاك ترسانة نووية. يأتي هذا التحول النوعي في التفكير الاستراتيجي الياباني كرد فعل مباشر ومتصاعد على التهديدات الأمنية المتنامية التي تشكلها كل من الصين وكوريا الشمالية في منطقة شرق آسيا.
سياق التهديدات المتصاعدة
لم يعد الحديث عن التسلح النووي في اليابان من المحرمات كما كان في السابق، وذلك بسبب التغيرات الجيوسياسية الحادة في المنطقة. فمن جانب، تواصل كوريا الشمالية تطوير برامجها الصاروخية والنووية، مع إجراء تجارب متكررة لصواريخ باليستية تسقط أحياناً في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، مما يثير ذعراً حقيقياً لدى الشارع الياباني وصناع القرار على حد سواء. ومن جانب آخر، يمثل الصعود العسكري للصين وتوسع نفوذها البحري، خاصة حول جزر سينكاكو المتنازع عليها، ضغطاً استراتيجياً هائلاً يدفع طوكيو لإعادة حساباتها الأمنية.
المبادئ الثلاثة والمظلة الأمريكية
تاريخياً، التزمت اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بـ "المبادئ غير النووية الثلاثة": عدم امتلاك، عدم إنتاج، وعدم السماح بدخول الأسلحة النووية إلى أراضيها. هذا الالتزام نابع من كون اليابان الدولة الوحيدة في العالم التي عانت من ويلات القصف الذري في هيروشيما وناجازاكي. وبدلاً من التسلح الذاتي، اعتمدت طوكيو بشكل كلي على "المظلة النووية" الأمريكية والتحالف الأمني مع واشنطن لردع أي عدوان.
القدرة الكامنة والجدل الداخلي
على الرغم من موقفها السلمي المعلن، يرى الخبراء العسكريون أن اليابان تمتلك ما يعرف بـ "القدرة النووية الكامنة". فبفضل بنيتها التحتية المتقدمة في مجال الطاقة النووية وتوفر مخزونات من البلوتونيوم والتكنولوجيا الصاروخية المتطورة، يمكن لليابان نظرياً إنتاج سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة جداً إذا توفر القرار السياسي. الاقتراح السري المشار إليه يعكس تياراً داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم يرى أن الاعتماد على الولايات المتحدة قد لا يكون كافياً في المستقبل، خاصة مع تقلبات السياسة الخارجية الأمريكية.
تداعيات التحول المحتمل
إن أي تحرك ياباني جدي نحو التسلح النووي سيحدث زلزالاً سياسياً عالمياً. إقليمياً، قد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح محموم، حيث قد تسعى كوريا الجنوبية وتايوان لامتلاك قدرات مماثلة. دولياً، سيشكل ذلك ضربة قاصمة لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT). ومع ذلك، يبقى هذا الاقتراح في إطار النقاشات الاستراتيجية "السرية" أو غير الرسمية، حيث لا يزال الرأي العام الياباني معارضاً بشدة للأسلحة النووية، إلا أن مجرد طرح الفكرة للنقاش يعكس حجم القلق الذي تعيشه طوكيو في بيئة أمنية متوترة.


