فقدت الساحة الفنية اللبنانية والعربية قامة من قاماتها الكبيرة، برحيل الفنان القدير وليد العلايلي في بيروت. خبر وفاة العلايلي، الذي طالما أثرى المشهد الثقافي بأعماله المسرحية والتلفزيونية الخالدة، خلف حزناً عميقاً في قلوب محبيه وزملائه وجمهوره الواسع، مؤكداً أن الفن اللبناني قد خسر أحد أبرز رواده ومبدعيه.
مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع
يُعد وليد العلايلي من الرعيل الأول للممثلين والمخرجين الذين أسهموا بشكل فعال في بناء وتطوير الحركة الفنية في لبنان والمنطقة. بدأت مسيرته الفنية في ستينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت ازدهاراً ثقافياً وفنياً كبيراً في لبنان، حيث كان المسرح اللبناني في أوج عطائه. العلايلي لم يكن مجرد ممثل يؤدي الأدوار، بل كان فناناً شاملاً، مخرجاً مسرحياً وتلفزيونياً، ومدرساً للأجيال الجديدة من الفنانين. لقد كرس حياته للفن، مقدماً عشرات الأعمال التي لا تزال محفورة في الذاكرة الجماعية.
من أبرز أعماله المسرحية التي لاقت صدى واسعاً، مشاركاته في مسرحيات عمالقة مثل زياد الرحباني، حيث أظهر قدرة فائقة على تجسيد الشخصيات المركبة والمعقدة ببراعة. كما لمع نجمه في العديد من المسلسلات التلفزيونية اللبنانية والعربية التي عكست قضايا المجتمع وهمومه، وقدم من خلالها أداءً مميزاً جعله أيقونة فنية لا تُنسى. كان العلايلي يتمتع بحضور طاغٍ على خشبة المسرح وأمام الكاميرا، وبصوت جهوري مميز، وقدرة على التعبير عن أعمق المشاعر الإنسانية، مما جعله محبوباً ومحترماً من الجميع.
تأثيره على المشهد الفني اللبناني والعربي
لم يقتصر تأثير وليد العلايلي على الأدوار التي قدمها، بل امتد ليشمل دوره كمعلم وموجه للعديد من الفنانين الشباب. كان يؤمن بأهمية المسرح كمرآة للمجتمع ووسيلة للتغيير والتنوير، وحرص على غرس هذه القيم في تلاميذه. لقد ساهم في إثراء المكتبة الفنية اللبنانية بأعمال ذات قيمة فنية عالية، وترك بصمة واضحة في تاريخ الدراما اللبنانية التي شهدت فترات صعود وهبوط، لكن العلايلي ظل وفياً لمبادئه الفنية.
على الصعيد الإقليمي، كان العلايلي وجهاً معروفاً ومحترماً في الأوساط الفنية العربية. أعماله تجاوزت الحدود اللبنانية، وساهمت في تعريف الجمهور العربي بجودة الفن اللبناني وعمق قضاياه. لقد كان جزءاً من جيل من الفنانين العرب الذين آمنوا بوحدة الثقافة العربية وأهمية تبادل الخبرات الفنية بين الدول. وفاته تمثل خسارة ليس فقط للبنان، بل للثقافة العربية ككل، حيث يفتقد المشهد الفني قامة فنية نادرة جمعت بين الموهبة الفطرية والاحترافية العالية.
إرث خالد وذكرى لا تمحى
رحيل وليد العلايلي يترك فراغاً كبيراً يصعب ملؤه، لكن إرثه الفني سيظل حياً عبر أعماله الخالدة التي ستستمر في إلهام الأجيال القادمة من الفنانين والجمهور. لقد كان العلايلي مثالاً للفنان الملتزم بقضايا وطنه ومجتمعه، والذي استخدم فنه للتعبير عن الحقيقة والجمال. ستظل ذكراه محفورة في قلوب من عرفوه وعملوا معه، وفي ذاكرة الجمهور الذي استمتع بأعماله وأحب شخصياته. في هذه الأوقات العصيبة، تتوجه الأسرة الفنية بأحر التعازي لعائلة الفقيد ومحبيه، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.


