تجد غزة نفسها مرة أخرى أمام تحدٍ هائل يتمثل في إعادة الإعمار، بعد جولات متكررة من الصراع الذي خلف دماراً واسع النطاق. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس فقط عن كيفية تمويل هذه العملية الضخمة، بل عن مدى استدامتها في ظل دورة العنف المتكررة. إن تاريخ القطاع يشهد على جهود بناء مضنية تلتها فترات تدمير، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل أي مبادرات إعمار جديدة.
تاريخياً، شهد قطاع غزة العديد من الصراعات الكبرى التي أدت إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية. فمنذ عام 2008، مروراً بحروب 2012 و2014 و2021، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة، تحول القطاع مراراً إلى ركام. كل جولة صراع كانت تعقبها دعوات دولية لجمع التبرعات وعقد مؤتمرات للمانحين، بهدف إعادة بناء ما دمرته الحرب. ومع ذلك، فإن هذه الجهود غالباً ما كانت تواجه عقبات جمة، بما في ذلك الحصار المفروض على القطاع، والذي يقيد دخول مواد البناء الأساسية، فضلاً عن التعقيدات السياسية والبيروقراطية.
إن أهمية إعادة إعمار غزة تتجاوز مجرد ترميم المباني. إنها تتعلق بإعادة بناء حياة الناس، وتوفير الأمل لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت ظروف إنسانية صعبة للغاية. الدمار لا يقتصر على المادي، بل يمتد ليشمل النسيج الاجتماعي والنفسي للسكان. فالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق والمصانع، كلها تحتاج إلى إعادة بناء شاملة لتمكين الحياة الطبيعية والكرامة الإنسانية.
على الصعيد المحلي، فإن الفشل في إعادة الإعمار المستدام يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية، مما يخلق بيئة خصبة لليأس وعدم الاستقرار. أما على الصعيد الإقليمي، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار في غزة يمكن أن يزعزع المنطقة بأكملها، ويزيد من التوترات بين الأطراف المختلفة، وقد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة تضغط على الدول المجاورة. دول مثل مصر والأردن تتأثر بشكل مباشر بأي تصعيد أو تدهور للأوضاع في القطاع.
دولياً، تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لدعم جهود الإعمار وضمان وصول المساعدات. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يكمن في إيجاد حل سياسي دائم يكسر حلقة العنف والتدمير. فبدون أفق سياسي واضح يضمن الأمن والاستقرار لجميع الأطراف، فإن أي جهود لإعادة الإعمار ستظل عرضة للتهديد، وقد تتحول إلى مجرد حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. إن الاستثمار في إعادة الإعمار يجب أن يقترن بالضغط الدبلوماسي لتحقيق سلام عادل وشامل ينهي الاحتلال ويضمن حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في التنمية والعيش بكرامة وأمان.


