أبحرت سفينة البحث والتنقيب اليابانية المتطورة «تشيكيو» (Chikyu) اليوم (الاثنين) من ميناء شيميزو في محافظة شيزوكا، في مهمة استكشافية بالغة الأهمية. تتجه السفينة نحو منطقة قريبة من جزيرة ميناميتوري (Minamitori Island) النائية في المحيط الهادئ، التي تبعد نحو 1900 كيلومتر جنوب شرق العاصمة طوكيو. تمثل هذه الرحلة خطوة محورية ضمن استراتيجية اليابان الطويلة الأمد لضمان أمنها الاقتصادي والتكنولوجي.
تستمر هذه المهمة الرائدة لمدة شهر كامل، وتهدف إلى إجراء أول تجربة عالمية لاستخراج مستمر لـ«الطين الغني بالمعادن الأرضية النادرة» (rare-earth mud) من أعماق سحيقة تصل إلى 6 كيلومترات تحت سطح البحر. سيتم رفع هذه المعادن الحيوية مباشرة إلى متن السفينة، في عملية تتطلب تقنيات هندسية وبحرية متقدمة للغاية.
أهمية المعادن الأرضية النادرة وهيمنة الصين
تُعد المعادن الأرضية النادرة مجموعة من 17 عنصراً كيميائياً أساسياً لا غنى عنها في صناعة مجموعة واسعة من المنتجات التكنولوجية الحديثة. تدخل هذه المعادن في تصنيع السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وشاشات العرض المسطحة والتوربينات الرياحية والأجهزة الطبية والمعدات العسكرية المتطورة. بدون إمدادات مستقرة من هذه العناصر، ستواجه الصناعات التكنولوجية العالمية تحديات كبيرة في الابتكار والإنتاج.
تاريخياً، هيمنت الصين على سلسلة إمداد المعادن الأرضية النادرة العالمية، حيث تنتج ما يقرب من 60-70% من الإنتاج العالمي. وقد أتاح لها هذا الوضع نفوذاً جيوسياسياً كبيراً، مما أثار مخاوف بشأن أمن الإمدادات في العديد من الدول الصناعية الكبرى، بما في ذلك اليابان والولايات المتحدة وأوروبا، التي تعتمد بشكل كبير على هذه الموارد الحيوية.
سياق التوترات الجيوسياسية والبحث عن البدائل
تأتي هذه الخطوة اليابانية في إطار جهود مكثفة لتقليل اعتمادها على الصين في توريد هذه المعادن الحيوية. تصاعدت التوترات مؤخراً بعد أن فرضت بكين الأسبوع الماضي حظراً على تصدير بعض المواد ذات الاستخدام المدني والعسكري إلى اليابان، بما في ذلك بعض المعادن الحرجة. وتشير تقارير إلى أن الصين بدأت تقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان بشكل أوسع، على الرغم من عدم تأكيد بكين الرسمي لهذا الإجراء.
هذا الوضع يذكّر بحادثة عام 2010، عندما علّقت الصين صادراتها من المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان عقب نزاع حول جزر في بحر الصين الشرقي. دفعت تلك الأزمة طوكيو إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لخفض اعتمادها على بكين من 90% إلى نحو 60% من خلال الاستثمار في مشاريع خارجية وتعزيز إعادة التدوير. ومع ذلك، لا تزال اليابان تعتمد بشكل شبه كامل على الصين في بعض العناصر الثقيلة النادرة المستخدمة في محركات السيارات الكهربائية والهجينة، مما يجعل هذا المشروع الجديد ذا أهمية استراتيجية قصوى لضمان استمرارية صناعاتها المستقبلية.
سنوات من التحضير والاستثمار الاستراتيجي
قال شويتشي إيشي، رئيس المشروع المدعوم من الحكومة: «بعد سبع سنوات من التحضير المتواصل، نبدأ أخيراً مرحلة الاختبارات الفعلية. إنه شعور مؤثر جداً، وإذا نجح المشروع، فسيكون له أهمية كبيرة في تنويع مصادر اليابان للمعادن الأرضية النادرة». بدأت الحكومة اليابانية استثمار نحو 40 مليار ين (حوالي 250 مليون دولار أمريكي) في هذا المشروع الطموح منذ عام 2018، مما يعكس التزامها طويل الأمد بتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال الحيوي.
تُعد منطقة ميناميتوري آيلاند، حيث تجري عمليات التنقيب، موقعاً معروفاً باحتوائه على رواسب هائلة من الطين الغني بالمعادن الأرضية النادرة، اكتُشفت لأول مرة في عام 2014. وقد أظهرت الدراسات الأولية أن هذه الرواسب قد تكفي لتلبية احتياجات اليابان لعقود طويلة، مما يبرز الإمكانات الهائلة لهذا المشروع في تغيير معادلة الإمداد.
الآثار المتوقعة للمشروع
إذا نجحت التجربة الحالية، فمن المتوقع أن تعود السفينة «تشيكيو» – التي تقل 130 بحاراً وباحثاً – في 14 فبراير 2026. بعد ذلك، سيتم إجراء تجربة تعدين واسعة النطاق في فبراير 2027، مع إمكانية التحول تدريجياً نحو الإنتاج التجاري في السنوات اللاحقة. ورغم أن التكاليف العالية كانت سابقاً تجعل مشاريع التعدين في أعماق البحار غير اقتصادية، فإن الضرورة الاستراتيجية والأمن الاقتصادي يدفعان اليابان لتجاوز هذه التحديات، مع الأخذ في الاعتبار التكاليف البيئية المحتملة.
يمثل هذا المشروع خطوة استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الأمن الاقتصادي الياباني، ليس فقط على المستوى المحلي من خلال تأمين إمدادات مستقرة للصناعات اليابانية المتقدمة، ولكن أيضاً على المستوى الإقليمي والدولي. فنجاح اليابان في هذا المجال قد يشجع دولاً أخرى على استكشاف مصادر بديلة، مما يعزز مرونة سلاسل الإمداد العالمية ويقلل من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد. كما أنه يدعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتقنيات الخضراء التي تعتمد بشكل كبير على هذه المعادن. كل هذه التطورات تجري وسط مراقبة صينية دقيقة، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية لهذه المبادرة اليابانية الطموحة.


