
في الوقت الذي تولي فيه أمانة العاصمة المقدسة اهتماماً متزايداً بتحسين المشهد البصري والنظافة العامة، وتُلزم المحلات التجارية والعمائر السكنية والأبراج بمعايير صارمة لتحقيق ذلك، تتكشف حقائق مغايرة في قلب حي العزيزية بمكة المكرمة. فبينما تُشدد الأمانة على تطبيق اللوائح، تعاني مواقع داخلية وشوارع رئيسية في هذا الحي الحيوي من تفاقم مشكلة التشوه البصري وتراكم المخلّفات، مما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه الجهود وتطبيقها على أرض الواقع.
تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة بالنظر إلى المكانة الفريدة لمكة المكرمة كقلب العالم الإسلامي ووجهة لملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً. إن الحفاظ على نظافة المدينة وجمالها البصري ليس مجرد مطلب حضري، بل هو جزء لا يتجزأ من توفير بيئة روحانية وصحية لضيوف الرحمن وسكانها على حد سواء. وتتماشى هذه الأهداف مع رؤية المملكة 2030 التي تضع تحسين جودة الحياة وتطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن في صدارة أولوياتها، مما يجعل أي إهمال في هذا الجانب أمراً غير مقبول. حي العزيزية، بصفة خاصة، يُعد من الأحياء الرئيسية التي تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار نظراً لقربه من المسجد الحرام وتوفر العديد من الفنادق والمساكن فيه، مما يجعل المشهد البصري فيه مرآة تعكس صورة المدينة ككل.
أشار العديد من الأهالي وأصحاب المتاجر في العزيزية إلى مفارقة واضحة في عمل أمانة العاصمة المقدسة. ففي الوقت الذي تقوم فيه الأمانة بجولات ميدانية مكثفة لرصد المخالفات الأقل ضرراً، فإنها تتجاهل -وفقاً لوصفهم- المواقع التي تعجّ بالمخلّفات والنفايات، والتي تتواجد في بعض الأحيان على مقربة من الفنادق والمرافق الحيوية. هذا التناقض يثير استياء السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة المشكلات الجوهرية التي تؤثر على صحتهم وسلامة بيئتهم، بدلاً من التركيز على المخالفات الثانوية.
طالب الأهالي، ومنهم سعد العمري وعلي العتيبي، الأمانة بضرورة إعادة توجيه جهودها نحو ما يخدم مصالح السكان بشكل مباشر، بدلاً من الاكتفاء برصد المخالفات. واستشهد أحمد الحربي بالشوارع الخلفية لحي العزيزية التي تشهد تراكمات كبيرة للمخلّفات والنفايات، مشيراً أيضاً إلى وجود مبانٍ متهالكة على الشوارع الرئيسية تشوه المظهر العام وتتطلب إزالة عاجلة. إن استمرار هذه المشكلات لا يؤثر فقط على جودة حياة السكان، بل يهدد أيضاً السلامة العامة ويخلق بيئة غير صحية، مما قد يؤدي إلى انتشار الأوبئة والحشرات، ويقلل من القيمة الجمالية والعقارية للمنطقة.
إن تداعيات التشوه البصري وتراكم النفايات في حي بحجم العزيزية تتجاوز النطاق المحلي. فعلى الصعيد المحلي، يؤثر ذلك سلباً على معنويات السكان ورفاهيتهم، ويقلل من جاذبية الحي للاستثمار والسكن. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن صورة مكة المكرمة كمدينة مقدسة ونظيفة ومهيأة لاستقبال ضيوف الرحمن قد تتأثر سلباً، مما قد ينعكس على جهود المملكة في تعزيز مكانتها كوجهة عالمية رائدة للحج والعمرة. إن معالجة هذه التحديات ليست مجرد واجب بل هي استثمار في مستقبل المدينة وسمعتها العالمية.
في محاولة لتسليط الضوء على هذه المشكلة والحصول على إجابات، تواصلت صحيفة “عكاظ” مع إدارة الإعلام في أمانة العاصمة المقدسة. ورغم الوعد بالرد، إلا أن الأمانة لم تقدم أي إجابة حتى الآن، مما يثير تساؤلات حول الشفافية والمسؤولية تجاه قضايا تهم الرأي العام. يبقى الأمل معقوداً على استجابة سريعة وفعالة من قبل الأمانة لمعالجة هذه المشكلات، وتحويل حي العزيزية إلى نموذج يحتذى به في النظافة والجمال البصري، بما يليق بمكانة مكة المكرمة.


