فيروز، الصوت الأسطوري للعالم العربي، تتجاوز مجرد الفن لتجسد تجارب إنسانية عميقة. حياتها، التي غالبًا ما تكون محجوبة عن أعين الجمهور، تقدم أحيانًا لمحات إلى أعماق رحلتها الشخصية، لا سيما دورها كأم. إن الطرق المتباينة التي تعاملت بها مع الحزن العميق المرتبط بابنيها، هلي وزياد الرحباني، لم تكن مجرد اختلاف في رد الفعل، بل انعكاسًا صادقًا لتعقيد الأمومة وتنوع العلاقات الإنسانية.
في عام 2016، ودعت فيروز ابنها هلي الرحباني، الذي كان رفيق دربها الدائم وظلها القريب منذ ولادته. هلي، الذي ولد باحتياجات خاصة، عاش حياة بعيدة عن الأضواء، لكنه كان محورًا أساسيًا في حياة والدته اليومية. كانت علاقتهما تتسم بالبساطة والعمق، علاقة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لتُفهم، بل تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية: في الصباحات، في السهرات، وفي كل لحظة من لحظات البيت. رحيله لم يترك فراغًا عاطفيًا فحسب، بل أحدث شرخًا ملموسًا في نسيج حياتها، فجعل البيت ناقصًا، والليل أطول، والصمت أثقل. لذلك، لم تتمكن فيروز من حبس دموعها في وداعه؛ كان انهيارها صادقًا ومباشرًا، يعكس حجم الفقد اليومي والمادي لرفيق لم يفارقها قط. هذا النوع من الفقد يضرب في صميم العادة والروتين، قبل أن يمس الذاكرة، مما يجعله ألمًا لا يُحتمل بالصبر وحده.
على النقيض، لطالما اتسمت علاقة فيروز بابنها زياد الرحباني، الفنان والمفكر المتمرد، بتعقيد فريد من نوعه. زياد، الذي ورث عن والديه العبقرية الفنية والجرأة الفكرية، لم يكن ابن البيت التقليدي، بل كان ابن الأسئلة، والاختلاف، والقلق الدائم. علاقتهما كانت مفتوحة على النقاش، على التباعد أحيانًا، وعلى حضور لا يشبه الحضور التقليدي للأبناء. لم يكن قربه منها يوميًا بسيطًا، بل كان قربًا ذهنيًا وإنسانيًا معقدًا، يتطلب صبرًا طويلًا وفهمًا عميقًا لطبيعته المستقلة. في المناسبات التي جمعتهما، أو في الفترات التي شهدت تباعدًا أو خلافات علنية، بدت فيروز متماسكة، ليس لأن الفقد أو البعد كان أخف، بل لأن هذه العلاقة درّبت قلبها على الحذر والاعتياد على الغياب الجزئي أو الحضور المتقطع. هذا التماسك لم يكن قناعًا، بل نتيجة سنوات من القلق الصامت والخوف غير المعلن، والتعود على تقلبات علاقة فنانين كبيرين يمتلك كل منهما عالمه الخاص.
إن حياة فيروز، كرمز ثقافي عربي، تتجاوز حدود لبنان لتلامس قلوب الملايين حول العالم. هذه التجارب الشخصية العميقة، وإن كانت خاصة، إلا أنها تلقي بظلالها على صورتها العامة، وتجعلها أكثر إنسانية وقربًا من جمهورها. ففهم هذه الديناميكيات العائلية المعقدة يضيف بعدًا جديدًا لإدراكنا لشخصية هذه الأسطورة. إن قدرتها على التعبير عن الحزن بأشكال مختلفة، كل شكل يتناسب مع طبيعة العلاقة، يؤكد على أصالتها وصدقها كإنسانة قبل أن تكون فنانة. هذه القصص الشخصية تذكرنا بأن وراء كل أيقونة عامة، هناك إنسان يعيش تجاربه الخاصة، أفراحه وأحزانه، بطرق لا تختلف كثيرًا عن أي أم أخرى، وإن كانت تحت مجهر الجمهور.
بين هذين “الحزنين” أو “شكلَي العلاقة”، لم تتناقض فيروز، بل كانت صادقة مع كل علاقة كما هي. في “تقبل” زياد (بمعنى تقبل طبيعة العلاقة المعقدة)، حزنت بحكمة أمّ خبرت القلق طويلًا. وفي وداع هلي، حزنت بانكسار أمّ فقدت رفيق يومها. والفرق بين المشهدين لم يكن في الحب، بل في شكل العيش مع هذا الحب. هكذا ظهرت فيروز، لا كرمز أو صورة محفوظة، بل كأمّ عاشت أمومتها بأشكال مختلفة، ودفعت ثمنها في الحالتين. بعض الأبناء تُقبل طبيعة علاقتهم المعقدة بصمت، وبعضهم يكسرون القلب حين يرحلون… وكلا الفقدين موجع، لكن كلٌّ بطريقته.


