جدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب هجومه اللاذع على رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) جيروم باول، واصفاً إياه بأنه «غير كفء» أو «فاسد». هذه التصريحات النارية، التي جاءت في سياق متوتر، زادت من المخاوف المتنامية بشأن استقلالية البنك المركزي الأمريكي، وهي ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي.
تاريخ من الاستقلالية والضغوط السياسية
لطالما تمتع الاحتياطي الفيدرالي، منذ تأسيسه عام 1913، بمكانة فريدة كمؤسسة مستقلة عن السلطة التنفيذية، مهمتها الأساسية هي تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال الحفاظ على أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار (مكافحة التضخم). هذه الاستقلالية ضرورية لضمان أن قرارات السياسة النقدية تُتخذ بناءً على بيانات اقتصادية بحتة، بعيداً عن الضغوط السياسية قصيرة المدى أو الأجندات الانتخابية. ومع ذلك، لم تكن هذه الاستقلالية بمنأى عن التحديات، فقد شهد التاريخ الأمريكي حالات متفرقة من التوتر بين الرؤساء ورؤساء الفيدرالي، لكن نادراً ما وصلت هذه الضغوط إلى حد الاتهامات الشخصية أو التهديدات بالتحقيقات الجنائية.
جاءت تصريحات ترمب الأخيرة للصحفيين بعد أن سُئل عما إذا كان التحقيق الجنائي غير المسبوق الذي أطلقته وزارة العدل قد يقوّض الثقة في الفيدرالي. وفي وقت سابق، كان ترمب قد نشر عبر منصته «تروث سوشيال» معرباً عن اعتقاده بأن بيانات التضخم التي صدرت مؤخراً «رائعة ومنخفضة»، مما يعني، في رأيه، أن «باول» يتعين عليه خفض الفائدة بدرجة كبيرة بعد أن تأخر كثيراً في هذا الإجراء. تعكس هذه التصريحات رغبة ترمب الواضحة في سياسة نقدية أكثر تيسيراً، والتي يرى أنها ستدعم النمو الاقتصادي وتخدم مصالحه السياسية.
تصعيد خطير: تحقيق جنائي يهدد استقلالية الفيدرالي
ما يميز هذا الهجوم الأخير هو الكشف عن تصعيد خطير في الضغوط الممارسة على المؤسسة المالية الأكثر أهمية في العالم. فقد كشف رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أمس عن تلقي الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى من وزارة العدل، تهدد بتوجيه اتهام جنائي ضده شخصياً. هذا التطور غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي، ويشكل سابقة خطيرة قد تؤثر على مستقبل استقلالية الفيدرالي.
وأرجع «باول» هذا التحقيق الجنائي إلى شهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي، والتي تناولت التجاوزات الكبيرة في تكاليف مشروع تجديد وتوسعة المقر الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، والذي تبلغ تكلفته الإجمالية 2.5 مليار دولار. ورغم أن التحقيق في الإنفاق الحكومي أمر مشروع، إلا أن توقيته وطبيعته، في ظل التوترات المستمرة بين ترمب وباول، يثيران تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراءه.
التأثيرات المتوقعة: على الأسواق والاقتصاد العالمي
إن أي تقويض لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي يمكن أن تكون له تداعيات وخيمة على الأسواق المالية والاقتصاد ككل. فالمستثمرون يعتمدون على قرارات الفيدرالي الموضوعية والمستقلة لتحديد استراتيجياتهم. إذا ما أصبحت السياسة النقدية عرضة للتقلبات السياسية، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة، وزيادة تقلبات السوق، وربما هروب رؤوس الأموال. على الصعيد المحلي، قد يؤدي التدخل السياسي إلى قرارات خاطئة بشأن أسعار الفائدة، مما قد يغذي التضخم أو يدفع الاقتصاد نحو الركود. أما على الصعيد الدولي، فإن ضعف مصداقية البنك المركزي الأمريكي، الذي يدير عملة الاحتياطي العالمية، قد يزعزع استقرار النظام المالي العالمي بأكمله. هذه الأحداث تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الفصل بين السلطات ودور المؤسسات المستقلة في حماية الاقتصاد من التقلبات السياسية.


