spot_img

ذات صلة

بافاريا تشدد الخناق على الإخوان المسلمين في ألمانيا

في خطوة تصعيدية تعكس تشديداً متزايداً على ما يُعرف بـ “التشدد الديني” والإسلام السياسي، أعلنت ولاية بافاريا الألمانية، عبر حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) الحاكم، تبني خطة شاملة وموسعة لمواجهة جماعة «الإخوان المسلمين» وأنشطتها داخل الأراضي الألمانية. يأتي هذا الإعلان ليؤكد على عزم السلطات البافارية على التصدي لما تعتبره تهديداً للمؤسسات الديمقراطية والقيم المجتمعية.

جاء هذا الموقف الحازم في وثيقة رسمية تحمل عنوان «موقف حاسم ضد التطرف الإسلامي – من أجل حرية الدين والدولة»، والتي وصفت بوضوح التشدد بأنه «يهدد المؤسسات الديمقراطية». وقد شملت الوثيقة جماعة «الإخوان المسلمين» ضمن الهياكل الأساسية التي تستغل الدين لأغراض سياسية وتسعى لبناء نفوذ موازٍ داخل المجتمع الألماني، مما يثير مخاوف بشأن تماسك النسيج الاجتماعي والسياسي.

ووفقاً للوثيقة، التي أقرتها قيادة الحزب في اجتماع هام بميونيخ، تركز الخطة على مجموعة من الإجراءات الصارمة لمكافحة نفوذ الجماعة. تشمل هذه الإجراءات مراقبة أكبر وأكثر دقة للجمعيات الإسلامية، والمساجد، والشبكات الرقمية التي قد تستخدمها الجماعة لنشر أفكارها أو تجنيد أعضاء جدد. كما تتضمن الخطة برامج وقائية تهدف إلى منع تجنيد الشباب وحمايتهم من الوقوع تحت تأثير هذه الجماعات.

ولتعزيز فعالية هذه الإجراءات، تدعو الوثيقة الألمانية إلى تعزيز التعاون والتنسيق بين الولايات الألمانية المختلفة والحكومة الاتحادية. الهدف الرئيسي من هذا التعاون هو منع تمويل «الإخوان» من الخارج، وهو ما يُنظر إليه على أنه شريان حياة رئيسي لأنشطتها. وتتضمن الوثيقة أيضاً اقتراحات لفرض عقوبات قانونية مشددة على المنظمات المرتبطة بالجماعة، بما في ذلك حظر التمويل الأجنبي وتشديد الرقابة على المنصات الإلكترونية التي قد تستخدم لنشر الدعاية أو التجنيد.

وفي بيان صحفي قوي، أكد رئيس الاتحاد الاجتماعي المسيحي، ماركوس سودر، على الموقف الثابت لولايته قائلاً: «لا مكان للإخوان في دولة قانونية ديمقراطية مثل ألمانيا. سنحمي حرية الدين، لكننا لن نسمح باستغلالها لأغراض سياسية تُهدد أمننا». هذه التصريحات تعكس التزاماً راسخاً بحماية الدستور الألماني وقيمه الديمقراطية.

السياق التاريخي وتصاعد المخاوف

يأتي هذا الإعلان في أعقاب مناقشات مكثفة في البرلمان الألماني حول إمكانية حظر جماعة «الإخوان المسلمين»، وسط مخاوف متزايدة من تأثيرها على المجتمعات المسلمة في أوروبا بشكل عام وألمانيا بشكل خاص. تعود جذور جماعة الإخوان المسلمين إلى مصر عام 1928، وقد تطورت لتصبح حركة عالمية ذات أيديولوجية سياسية إسلامية تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم والمجتمع. ورغم أنها تنفي العنف، إلا أن العديد من الحكومات تعتبرها منظمة إرهابية أو تهديداً للأمن القومي، مثل مصر والإمارات والسعودية.

في ألمانيا، تصاعدت المخاوف بشأن “الإسلام السياسي” بشكل ملحوظ بعد أزمة اللاجئين في عام 2015، التي شهدت تدفق ملايين اللاجئين إلى البلاد. هذه الأزمة أثارت نقاشات واسعة حول الاندماج، الأمن، وتأثير الجماعات الأجنبية على المجتمعات المحلية. وقد دفع هذا السياق العديد من الأحزاب السياسية، وخاصة المحافظة منها، إلى المطالبة بإجراءات أكثر صرامة لمراقبة وتمويل الجمعيات الدينية والمنظمات التي يُشتبه في ارتباطها بأجندات سياسية أجنبية أو متطرفة.

دور بافاريا وتأثير القرار

يُعد الاتحاد الاجتماعي المسيحي حزباً محافظاً مسيحياً يحكم ولاية بافاريا منذ عقود، وهو الشقيق الإقليمي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) على المستوى الاتحادي. يُعرف الحزب بمواقفه الصارمة تجاه الهجرة والأمن، وقد زاد تركيزه في السنوات الأخيرة على مكافحة «الإسلام السياسي». ففي أبريل 2021، أصدر الحزب وثيقة موقف سابقة طالبت بمنع تمويل الإسلاميين السياسيين، مع اقتراحات لمراقبة المساجد والجمعيات، مما يظهر أن هذا القرار الأخير هو تتويج لسلسلة من الجهود والمواقف المتشددة.

من المتوقع أن يكون لهذا القرار تأثيرات متعددة الأبعاد. محلياً، قد يؤدي إلى زيادة التدقيق على الجمعيات الإسلامية في بافاريا، مما قد يثير جدلاً حول حرية الدين وحقوق الأقليات، ولكنه في الوقت نفسه يعزز من جهود الدولة لضمان الشفافية والامتثال للقوانين. إقليمياً، يمكن أن يشكل هذا الموقف البافاري سابقة أو نموذجاً تحتذي به ولايات ألمانية أخرى، وربما يؤثر على النقاشات الجارية على المستوى الاتحادي بشأن التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من جماعات الإسلام السياسي. دولياً، تتماشى هذه الخطوة مع توجهات بعض الدول الأوروبية الأخرى، مثل فرنسا والنمسا، التي اتخذت أيضاً إجراءات صارمة ضد جماعات يُنظر إليها على أنها تمثل تهديداً لأمنها القومي وقيمها الديمقراطية، مما يعكس تزايد الوعي الأوروبي بالتحديات التي يفرضها الإسلام السياسي.

spot_imgspot_img