شهدت العاصمة السعودية الرياض حدثاً محورياً في مسيرة التعاون العربي المشترك، حيث افتُتحت أعمال الاجتماع التشاوري العاشر للوزراء العرب المعنيين بشؤون الثروة المعدنية. يأتي هذا الاجتماع، الذي تنظمه المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتقييس والتعدين (AIDSM) بالتعاون مع وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالمملكة، متزامناً مع فعاليات مؤتمر التعدين الدولي المرموق الذي تستضيفه الرياض خلال الفترة من 13 إلى 15 يناير. ويؤكد هذا التزامن على الأهمية المتزايدة لقطاع التعدين في الأجندة الاقتصادية العربية والعالمية. وقد جمع الاجتماع نخبة من الوزراء والمسؤولين والخبراء من 19 دولة عربية، بالإضافة إلى ممثلين عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، لمناقشة سبل تعظيم الاستفادة من الإمكانات التعدينية الهائلة في المنطقة.
لطالما كانت الثروات المعدنية ركيزة أساسية للحضارات والاقتصادات في المنطقة العربية عبر التاريخ. فمنذ العصور القديمة، لعبت المعادن دوراً حيوياً في التنمية، وتتجدد اليوم أهميتها الاستراتيجية مع تزايد الطلب العالمي على المعادن الحيوية اللازمة للتحول الطاقي والصناعات المتقدمة. إن الدول العربية تزخر باحتياطيات ضخمة ومتنوعة من المعادن، مما يضعها في موقع فريد للمساهمة في سلاسل الإمداد العالمية وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. وتأتي هذه الاجتماعات التشاورية لتؤكد على الرؤية المشتركة لتعزيز هذا القطاع الحيوي، ليس فقط كمصدر للدخل، بل كمحرك للابتكار والتصنيع وخلق فرص العمل.
كان الإعلان الأبرز في هذا الاجتماع هو الإطلاق الرسمي للمكتبة الرقمية للدراسات التعدينية العربية. هذه المبادرة الرائدة، التي أعدتها المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتقييس والتعدين تنفيذاً لتوصيات الاجتماع السابق، تمثل نقلة نوعية في مجال تبادل المعرفة والبيانات المتخصصة. ستكون المكتبة مرجعاً معرفياً شاملاً يدعم صُنّاع القرار والباحثين والمهتمين بقطاع التعدين في الدول العربية. ومن المتوقع أن تسهم هذه المنصة في توحيد الجهود البحثية، وتسهيل الوصول إلى الدراسات والتقارير الفنية، وتعزيز الابتكار، مما يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتطوير المستدام في القطاع.
في كلمته الافتتاحية، رفع المهندس عادل صقر الصقر، المدير العام للمنظمة، الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، على دعمهما المستمر للعمل العربي المشترك ورؤيتهما الطموحة لمستقبل مزدهر ومستدام. وأكد الصقر أن المنظمة تواصل تنفيذ برامجها ومبادراتها الفنية الهادفة إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المعدنية العربية وتعزيز التكامل في سلاسل القيمة. من جانبه، أشار السفير محمد صالح العجيري، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، إلى الدور المحوري للاجتماعات التشاورية في توجيه مسار تطوير قطاع الثروة المعدنية وتعزيز التعاون. وأشاد بالتزام المنظمة بأهداف التنمية المستدامة 2030 وبتبنيها لتقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة والقدرة التنافسية، مؤكداً على أهمية تنسيق المواقف العربية في المحافل الدولية.
بدوره، ثمن وزير الصناعة والثروة المعدنية ورئيس الاجتماع، بندر بن إبراهيم الخريف، جهود المنظمة ودورها الحيوي في تعزيز التنسيق العربي. واستعرض معاليه تجربة المملكة العربية السعودية الرائدة في تطوير قطاع التعدين، مؤكداً أنها انعكاس مباشر لرؤية المملكة 2030 الطموحة، التي جعلت التعدين ركيزة ثالثة للصناعة الوطنية. وقد عملت المملكة خلال السنوات الماضية على تطوير بيئة القطاع بشكل شامل، من خلال تحديث التشريعات والتنظيمات، وتمكين الاستثمار، والاستثمار المكثف في البيانات والبنية التحتية للمعرفة الجيولوجية. وأوضح الخريف أن هذه الجهود أثمرت عن رفع القيمة التقديرية للثروات المعدنية في المملكة لتصل إلى نحو 9.37 تريليون ريال سعودي، مما يعكس الإمكانات الهائلة والفرص الاستثمارية الواعدة التي يقدمها القطاع.
كما أشاد الوزير الخريف بإطلاق وتشغيل «المنصة العربية لمعادن المستقبل» (APFM)، واصفاً إياها بالخطوة الرائدة نحو رقمنة الفرص الاستثمارية وإبراز الإمكانات الجيولوجية العربية للعالم بشفافية واحترافية. وأكد أن دعم هذه المنصة وتزويدها بالبيانات المحدثة هو استثمار مباشر في مستقبل عربي أكثر حضوراً وتأثيراً. وقد استعرض جدول أعمال الاجتماع أيضاً عدداً من المبادرات الهامة الأخرى، منها النظام الاسترشادي التعديني للدول العربية، ودراسة «إعادة تأهيل المناجم والمحاجر القديمة لتحقيق تنمية مستدامة»، وخارطة الطريق الاسترشادية لمعادن الانتقال الطاقي، والمبادرة العربية للذكاء الاصطناعي في قطاع الثروة المعدنية، والمعجم الموحد لمصطلحات التعدين. هذه المبادرات مجتمعة تشكل خارطة طريق متكاملة لتعزيز التنمية المستدامة والابتكار في قطاع التعدين العربي.
إن مخرجات هذا الاجتماع التشاوري، بما في ذلك إطلاق المكتبة الرقمية والمنصة العربية لمعادن المستقبل، تحمل في طياتها وعوداً كبيرة لمستقبل قطاع التعدين في العالم العربي. فمن خلال تعزيز التعاون وتبادل المعرفة وتطبيق أحدث التقنيات، يمكن للدول العربية أن تحقق قفزات نوعية في استغلال ثرواتها المعدنية بطريقة مستدامة ومسؤولة. هذا التوجه لا يساهم فقط في تنويع الاقتصادات الوطنية بعيداً عن الاعتماد على النفط والغاز، بل يعزز أيضاً مكانة المنطقة كشريك استراتيجي في توفير المعادن الحيوية التي يحتاجها العالم لتحقيق أهدافه المناخية والتنموية. إن هذه الجهود المشتركة تمهد الطريق نحو مستقبل تعديني عربي مزدهر ومستدام، يسهم بفعالية في التنمية الشاملة للمنطقة والعالم.


