في تصعيد جديد لموقفها تجاه المنظمات الدولية، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، اليوم (الثلاثاء)، أن وزير الخارجية جدعون ساعر قد قرر قطع جميع الاتصالات فوراً مع عدد من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. جاء هذا القرار الحاسم مستشهداً بما وصفه الوزير بـ«التحيز الممنهج ضد إسرائيل» و«البيروقراطية غير الفعالة» التي تعيق عمل هذه الهيئات. هذه الخطوة تأتي لتعكس توجهاً متزايداً لدى بعض الدول للتشكيك في دور المؤسسات الدولية، وتذكّر بانسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية تحت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب.
وأكد ساعر أن إسرائيل كانت قد قطعت بالفعل علاقاتها مع بعض هذه المنظمات في السابق، وأن القرار الجديد يوسع نطاق هذا القطع ليشمل تحالف الأمم المتحدة للحضارات، وبرنامج الأمم المتحدة للطاقة، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية. هذه المنظمات، التي تغطي مجالات حيوية مثل الحوار بين الثقافات، والاستدامة البيئية، وقضايا الهجرة العالمية، ستتأثر بشكل مباشر بهذا القرار الإسرائيلي. وبحسب البيان الرسمي، فإن القرار يشمل أيضاً تعليق التعاون مع منظمات أخرى تم قطع الاتصالات معها سابقاً، مثل مكتب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة، ومنظمة الأمم المتحدة للنهوض بالمرأة وتمكينها (هيئة الأمم المتحدة للمرأة)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، التي انقطعت العلاقات معها لسنوات.
تاريخياً، لطالما اتسمت العلاقة بين إسرائيل والأمم المتحدة بالتوتر والجدل. فمنذ تأسيسها، كانت الأمم المتحدة لاعباً رئيسياً في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بدءاً من قرار تقسيم فلسطين عام 1947 (القرار 181) وصولاً إلى عشرات القرارات التي أدانت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وسياساته في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتتهم إسرائيل المنظمة الدولية بشكل متكرر بالتحيز ضدها، مشيرة إلى العدد الكبير من القرارات الصادرة ضدها مقارنة بدول أخرى، ووجود هيئات مثل لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، والتي تعتبرها إسرائيل دليلاً على هذا التحيز.
وكانت إسرائيل قد قطعت علاقاتها مع مكتب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة في يونيو 2024، في خطوة تصعيدية جاءت بعد إدراج الجيش الإسرائيلي في «قائمة سوداء» إلى جانب حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ضمن تقرير سنوي للأمين العام للأمم المتحدة حول الأطفال في النزاعات المسلحة. هذا الإدراج أثار غضباً واسعاً في تل أبيب، واعتبرته الحكومة الإسرائيلية محاولة لتشويه سمعة جيشها ومساواته بمنظمات إرهابية، مما دفعها لاتخاذ إجراءات دبلوماسية حادة.
وأشار الوزير ساعر إلى أن الوزارة ستدرس استمرار التعاون مع منظمات أخرى فوراً، بالتشاور مع الجهات الحكومية المعنية، مشدداً على أن هذا القرار جاء بعد مراجعة شاملة أعقبت الانسحاب الأمريكي من منظمات دولية متعددة. هذا النهج يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إعادة تقييم علاقاتها مع المنظمات التي تراها غير محايدة أو غير فعالة في خدمة مصالحها.
إن تداعيات هذا القرار قد تكون واسعة النطاق. على الصعيد المحلي والإقليمي، قد يؤثر قطع الاتصالات على برامج المساعدات الإنسانية والتنموية التي تديرها هذه الوكالات في المنطقة، وقد يقلل من قنوات الحوار والتنسيق في قضايا حساسة مثل حقوق الإنسان وحماية الأطفال. دولياً، يبعث هذا القرار برسالة واضحة حول مدى استعداد إسرائيل لاتخاذ خطوات أحادية الجانب في مواجهة ما تعتبره تحيزاً، مما قد يؤثر على جهود التعاون متعدد الأطراف ويعزز من الشكوك حول فعالية المؤسسات الدولية في حل النزاعات المعقدة. كما قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، مما يضعف من نفوذ الأمم المتحدة ودورها كوسيط عالمي.


