واشنطن تعلن عن تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة غزة برئاسة علي شعث: خطوة نحو مستقبل القطاع
في خطوة دبلوماسية مهمة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الإداري في قطاع غزة، أعلنت مصادر أمريكية أن العمل جارٍ على وضع اللمسات الأخيرة على تشكيل لجنة تكنوقراطية لإدارة القطاع، ومن المتوقع أن يتولى رئاستها نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق، الدكتور علي شعث. هذا الإعلان يأتي في سياق جهود دولية مكثفة لإيجاد حلول مستدامة لتحديات غزة، خاصة بعد التوترات الأخيرة والهدنة الهشة.
تفاصيل التشكيل والأهداف المعلنة
نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة أن الولايات المتحدة على وشك الإعلان رسميًا عن هذه اللجنة، التي ستضم خبراء فلسطينيين مستقلين، بهدف الإشراف على الحياة اليومية وإدارة الشؤون المدنية في غزة. وأكدت الصحيفة أن الإعلان الرسمي كان متوقعًا اليوم (الأربعاء)، مما يشير إلى قرب اكتمال الترتيبات. وتكمن الأهداف الرئيسية لهذه اللجنة في تقليص نفوذ حركة حماس في القطاع، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والاستقرار.
وفيما يتعلق بعملية اختيار الأعضاء، أشارت المصادر إلى أن مصر قدمت عشرات الأسماء المقترحة لعضوية اللجنة. وقد وافق الجانبان الأمريكي والإسرائيلي على عدد من هذه الأسماء، بينما رفضا البعض الآخر، لا سيما تلك التي رشحت من قبل السلطة الفلسطينية أو الفصائل الفلسطينية المختلفة. هذا يعكس الرغبة في تشكيل هيئة إدارية ذات طابع مهني بحت، بعيدًا عن الانتماءات السياسية المباشرة التي قد تعيق عملها.
السياق الإقليمي والدولي للتحرك الأمريكي
يأتي هذا التحرك الأمريكي في وقت تشهد فيه المنطقة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا. فقد وصلت وفود الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة، الثلاثاء، لعقد لقاءات مع مسؤولين مصريين اليوم (الأربعاء)، مما يشير إلى محاولات إقليمية لمناقشة مستقبل غزة وتوحيد الرؤى. وفي سياق دولي أوسع، أفادت صحيفة “التايمز” بأن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من المتوقع أن يقبل الانضمام إلى مجلس إدارة مؤقت بقيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لإدارة غزة، ومن المقرر عقد الاجتماع الأول الأسبوع المقبل خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا. هذا التنسيق الدولي يؤكد حجم التعقيدات والتحديات التي تواجه مستقبل القطاع.
غزة: تاريخ من التحديات والحاجة إلى الاستقرار
إن الحديث عن إدارة غزة يعيد إلى الأذهان تاريخًا طويلاً من التحديات السياسية والإنسانية التي واجهها القطاع. فمنذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب عام 2005، ثم سيطرة حركة حماس على القطاع في عام 2007، شهدت غزة حصارًا وتصعيدات عسكرية متكررة أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية والبنية التحتية. وقد أدت هذه الظروف إلى حاجة ماسة لإدارة فعالة ومحايدة قادرة على تلبية احتياجات السكان وإعادة بناء ما دمرته الصراعات. إن نموذج “التكنوقراط” يطرح كحل محتمل لتجاوز الانقسامات السياسية والتركيز على الجوانب الإدارية والخدمية.
أهمية اللجنة وتأثيرها المتوقع
تشكيل هذه اللجنة يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. محليًا، يمكن أن توفر اللجنة فرصة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، وتخفيف المعاناة الإنسانية للسكان الذين يعيشون تحت ظروف صعبة. كما أنها قد تمثل خطوة أولى نحو توحيد الإدارة الفلسطينية بين الضفة الغربية وغزة على المدى الطويل، إذا ما تمكنت من إثبات فعاليتها وحيادها. إقليميًا، قد تساهم هذه الخطوة في استقرار المنطقة وتقليل التوترات، خاصة وأن مصر ودول عربية أخرى لها مصلحة في استقرار غزة. دوليًا، يعكس هذا التحرك التزامًا من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بإيجاد حلول عملية لمستقبل غزة، وربما يمهد الطريق لمزيد من الدعم لإعادة الإعمار والتنمية.
يأتي هذا الإعلان في ظل اتفاق هدنة بين إسرائيل وحماس بوساطة أمريكية دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، حيث انسحبت القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” داخل القطاع. ومع ذلك، شهدت الهدنة خروقات أسفرت عن مقتل أكثر من 447 فلسطينيًا وفق وزارة الصحة في غزة، إضافة إلى ثلاثة جنود إسرائيليين منذ بدء سريانها. هذه الخروقات تؤكد على هشاشة الوضع وضرورة وجود إدارة قوية ومستقرة قادرة على فرض النظام وتلبية احتياجات السكان في هذه المرحلة الحرجة.


