spot_img

ذات صلة

تداعيات تصنيف الإخوان: مستقبل البرلمان الأردني

في تطور سياسي لافت، أثار القرار الأمريكي الأخير بتصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن ومصر ولبنان كمنظمات إرهابية، تساؤلات جوهرية حول المشهد السياسي الأردني، لا سيما فيما يتعلق بمصير البرلمان. وعلى الرغم من أن الحكومة الأردنية قد أكدت على أن جماعة الإخوان في الأردن “منحلة حكماً منذ سنوات” بموجب قرار قضائي صادر عام 2020، وأن كافة أنشطتها قد حُظرت في أبريل 2025، إلا أن هذا التصنيف الدولي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملف لطالما كان حساساً.

تاريخياً، تمثل جماعة الإخوان المسلمين في الأردن واحدة من أقدم وأبرز الحركات السياسية والاجتماعية، حيث تأسست في أربعينيات القرن الماضي. وقد لعبت دوراً محورياً في الحياة العامة الأردنية، متأرجحة علاقتها مع الدولة بين التعاون والتنافس. ومع مرور الوقت، شهدت الجماعة تحولات داخلية أدت إلى انشقاقات، كان أبرزها تأسيس جمعية “الإخوان المسلمون” المرخصة عام 2015، في حين بقيت الجماعة الأم غير مرخصة. وقد توجت هذه التطورات بقرار قضائي عام 2020 بحل جماعة الإخوان المسلمين الأصلية، وهو ما اعتبرته الحكومة الأردنية حكماً نهائياً ينهي وجودها القانوني.

المتحدث باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، شدد على أن الأردن يتعامل مع جميع الملفات بما يخدم المصلحة العليا للدولة ووفقاً لأحكام الدستور والقانون. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر يكمن في كيفية التعامل مع حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان، والذي يشغل 15 مقعداً في مجلس النواب الأردني. فهل ستدفع عمان نحو حل البرلمان استجابة لتداعيات القرار الأمريكي، رغم أن الجماعة الأم قد حُلت وحُظرت أنشطتها محلياً؟

تتباين الآراء بين النواب والمراجع السياسية حول هذه المسألة الحساسة. يرى البعض أن حل البرلمان قد يصبح أمراً حتمياً تماشياً مع التطورات الراهنة، نظراً لوجود كتلة العمل الإسلامي التي تُعد ممثلاً لجماعة الإخوان داخل المؤسسة التشريعية. بينما يرى آخرون أن هذا المسار قد يلقي بظلاله على شرعية مجلس النواب الدستورية، مؤكدين أن النواب المنتمين إلى حزب جبهة العمل الإسلامي وصلوا إلى البرلمان عبر مسار انتخابي وقانوني واضح، وأن الحزب بحد ذاته كيان سياسي مرخص ومستقل إدارياً وتنظيمياً عن جماعة الإخوان المحظورة.

غير أن أي ارتباط لا يزال قائماً، سواء على مستوى الأفراد أو التأثير أو البنية غير المعلنة بين بعض أعضاء الحزب والجماعة المحظورة، لم يعد ممكناً تجاوزُه أو التعامل معه كأمر ملتبس. بل بات القرار الأمريكي عاملاً ضاغطاً ومعززاً لضرورة فك الارتباط الكامل والنهائي بين الطرفين، وذلك حمايةً لشرعية العمل البرلماني وصوناً لاستقرار المشهد السياسي الأردني. هذا الضغط الدولي يضع حزب جبهة العمل الإسلامي أمام لحظة اختبار حقيقية، حيث لم يعد استمراره في العمل السياسي والبرلماني مرتبطاً بإعلانات النوايا فحسب، بل بقدرته العملية على ترسيخ استقلاله الفعلي والالتزام الصريح بقواعد العمل الحزبي ضمن منطق دولة القانون والمؤسسات.

تداعيات هذا القرار تتجاوز الحدود المحلية لتشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، يأتي هذا التصنيف الأمريكي في سياق حملة أوسع ضد جماعة الإخوان المسلمين في عدة دول عربية، مما قد يعزز موقف الأردن بين حلفائه الإقليميين الذين يتخذون مواقف مماثلة، مثل مصر والإمارات والسعودية. أما دولياً، فإن الموقف الأردني تجاه هذه القضية سيؤثر على علاقاته مع الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي، وقد يفرض تحديات دبلوماسية في موازنة المصالح الوطنية مع الضغوط الخارجية.

في ظل وجود قرار قضائي وطني نهائي بحل الجماعة، وتقاطع لاحق مع اتجاه دولي أكثر تشدداً، فإن أي تردد في حسم هذا الفصل قد يقود إلى عزلة سياسية متزايدة لحزب جبهة العمل الإسلامي، وربما يهدد استقرار المشهد السياسي الأردني برمته. إن المرحلة الراهنة تتطلب حكمة سياسية بالغة لضمان استمرارية الحياة الديمقراطية في الأردن مع الحفاظ على سيادة القانون والمصلحة الوطنية العليا.

spot_imgspot_img