spot_img

ذات صلة

مؤتمر التعدين الدولي بالرياض: السعودية تقود مستقبل المعادن المستدامة

شهدت العاصمة السعودية الرياض اليوم (الأربعاء) انطلاق فعاليات النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي، تحت رعاية معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريف. يُعد هذا الحدث العالمي، الذي يستضيفه مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات، محطة محورية تجمع أكثر من 20 ألف مشارك ونحو 400 متحدث من نخبة الوزراء والخبراء وقادة كبرى شركات التعدين العالمية، بالإضافة إلى ممثلين عن المنظمات الدولية، والجهات الأكاديمية، ومؤسسات التمويل، مما يؤكد مكانته كمنصة عالمية رائدة في قطاع التعدين.

في كلمته الافتتاحية، أكد الوزير الخريف على الأهمية المتزايدة للمؤتمر، مشيرًا إلى تحوله من مجرد منبر للحوار إلى منصة عالمية لصنع القرارات، قادرة على التأثير في السياسات وحشد الاستثمارات اللازمة لتطوير القطاع. ويأتي شعار المؤتمر لهذا العام، «المعادن.. مواجهة التحديات لعصر تنمية جديد»، ليجسد هذه الرؤية الطموحة، مسلطًا الضوء على الدور الحيوي للمعادن في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي.

تاريخيًا، تمتلك المملكة العربية السعودية إرثًا غنيًا في مجال التعدين، يعود إلى آلاف السنين، مع وجود مواقع تعدينية قديمة مثل مهد الذهب. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، برز قطاع التعدين كركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد الوطني بعيدًا عن الاعتماد على النفط. تهدف الرؤية إلى استغلال الثروات المعدنية الهائلة التي تقدر بنحو 9.4 تريليون ريال سعودي، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي لسلاسل قيمة المعادن. هذا التحول الاستراتيجي يضع المملكة في طليعة الدول الساعية لتحقيق التنمية المستدامة من خلال قطاع تعديني مزدهر ومسؤول.

وأوضح الوزير أن النسخة الخامسة من المؤتمر تمثل نقطة تحول نوعية، حيث تركز على بناء الشراكات وتشكيل القرارات عبر كامل سلسلة القيمة المعدنية. ففي ظل التحولات العالمية الكبرى، مثل التطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف الطموحة دون تأمين إمدادات مستدامة ومسؤولة من المعادن الأساسية. هذا يبرز الدور المحوري للمؤتمر في معالجة هذه التحديات العالمية الملحة.

من أبرز مخرجات المؤتمر، الإشارة إلى نتائج الاجتماع الوزاري الدولي الخامس الذي عُقد على هامش الفعاليات، بمشاركة واسعة من أكثر من 100 دولة و59 منظمة دولية. وقد شهد هذا الاجتماع تقدمًا ملموسًا في دفع مسارات مراكز التميز، وتعزيز معايير التعدين المسؤول، والمواءمة مع استراتيجية المعادن الجديدة لمجموعة البنك الدولي. هذه الخطوات تؤكد التزام المجتمع الدولي بالانتقال من مرحلة الحوار إلى مرحلة التنفيذ العملي والقابل للقياس، مما يعزز الشفافية والاستدامة في القطاع.

وتواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مرونة الإمدادات العالمية للمعادن، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030. وقد خصصت المملكة أكثر من 33 ألف كيلومتر مربع لشركات محلية ودولية ضمن جولات تنافسية لرخص الاستكشاف والتعدين. وشهدت الجولة التاسعة وحدها ترسية 172 موقعًا تعدينيًا على 24 شركة، في أكبر جولة ترخيص تشهدها المملكة حتى الآن، مما يعكس جاذبية القطاع وثقة المستثمرين.

وفي إطار جهودها لتعزيز الاستكشاف، اكتملت أعمال المسح الجيوفيزيائي والجيوكيميائي للدرع العربي بنسبة 100%، مما يوفر بيانات قيمة للمستثمرين. وقد شهد الإنفاق على الاستكشاف نموًا هائلاً بأكثر من خمسة أضعاف منذ عام 2020، ليرتفع من مليون ريال إلى 1.052 مليار ريال في عام 2024. وتلتزم المملكة بتسريع استثمار إمكاناتها المعدنية الضخمة من خلال طرح فرص استكشاف تنافسية إضافية خلال عامي 2026 و2027.

كما أعلن الوزير الخريف عن إطلاق مبادرة تمكين البنية التحتية التعدينية بالشراكة مع الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن». ويتضمن المشروع الأول لهذه المبادرة إنشاء خط مياه معالجة بطول 75 كيلومترًا لدعم التنمية في منطقة جبل صايد وتسريع تنفيذ المشاريع المعدنية، مما يبرز التزام المملكة بتوفير البيئة الداعمة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي.

ويتزامن إطلاق المؤتمر مع الإعلان عن صندوقين خاصين جديدين لدعم الفرص عبر سلسلة القيمة المعدنية في المملكة، مما يعكس ثقة المستثمرين ونضج قطاع التعدين. وتشمل هذه المبادرات عقد شراكات استراتيجية لدعم مشاريع التعدين والمشاريع المتوسطة، بالإضافة إلى إطلاق صندوق استثماري جديد لدعم الفرص المعدنية والصناعية. وفي المسار البحثي، تُبرم جهات وطنية اتفاقيات استراتيجية مع جهات دولية لتعزيز الابتكار في مجالات الاستكشاف والمعالجة والرقمنة، بهدف رفع كفاءة القطاع وتسريع تبني الحلول المتقدمة.

يُعد مؤتمر التعدين الدولي منصة حيوية ليس فقط للمملكة، بل للمنطقة والعالم أجمع. فهو يعزز مكانة السعودية كمركز ثقل في صناعة التعدين، ويساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة العالمية من خلال توفير المعادن الضرورية بطرق مسؤولة. كما يدعم المؤتمر جهود المملكة في تنويع اقتصادها وتوليد فرص عمل جديدة، ويفتح آفاقًا واسعة للتعاون الدولي في هذا القطاع الاستراتيجي، مما يجعله حدثًا لا غنى عنه لكل المهتمين بمستقبل التعدين العالمي.

spot_imgspot_img