spot_img

ذات صلة

المواجهة الجيو اقتصادية: تهديد عالمي جديد يحدده المنتدى الاقتصادي العالمي

في تحذير صارخ يلقي بظلاله على المشهد العالمي، كشف تقرير المخاطر العالمية السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن “المواجهة الجيو اقتصادية” قد تصاعدت لتصبح التهديد الأكثر خطورة على الاستقرار العالمي هذا العام. هذا التقييم، الذي يستند إلى آراء نخبة من صانعي القرار والخبراء حول العالم، يسلط الضوء على تحول محوري في طبيعة التحديات التي تواجه البشرية، من التركيز التقليدي على الصراعات العسكرية إلى تزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كوسيلة لتحقيق الأهداف الجيوسياسية.

أفاد التقرير، الذي يسبق الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن 18% من بين أكثر من 1,300 خبير تم استطلاع آرائهم – يمثلون قطاعات الأعمال والأوساط الأكاديمية والحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني – يعتبرون هذه المواجهات الخطر الأكبر الذي يهدد باندلاع أزمة عالمية. هذه النسبة المرتفعة تعكس قلقاً متزايداً بشأن التداعيات المحتملة لاستخدام القوة الاقتصادية لتقييد المنافسين وتوطيد مناطق النفوذ، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفتيت الاقتصاد العالمي وتقويض عقود من التكامل الاقتصادي.

المنتدى الاقتصادي العالمي ودوره في رصد المخاطر

يُعد المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1971، وتشتهر باجتماعها السنوي في دافوس بسويسرا، والذي يجمع قادة العالم من السياسة والأعمال والمجتمع المدني لمناقشة القضايا العالمية الملحة. تقرير المخاطر العالمية، الذي يصدر قبل هذا الاجتماع، هو أداة محورية لتحديد وتقييم التهديدات المحتملة التي قد تؤثر على الاقتصادات والمجتمعات على المديين القصير والطويل. يكتسب هذا التقرير أهمية خاصة لأنه يعكس وجهات نظر مجموعة واسعة من الخبراء، مما يوفر رؤية شاملة للمخاطر التي قد لا تكون واضحة للجميع.

تطور مفهوم المواجهة الجيو اقتصادية

على الرغم من أن التقرير يتجنب تسمية دول بعينها، فإن تعريف المنتدى الاقتصادي العالمي للمواجهة الجيو اقتصادية واضح: إنه يشمل الإجراءات التي تهدف إلى تقييد تدفق السلع والمعرفة والخدمات أو التكنولوجيا لبناء الاكتفاء الذاتي، وتقييد المنافسين الجيوسياسيين، وتوطيد مناطق النفوذ. تشمل الأدوات المستخدمة في هذا السياق تدابير العملة، والقيود على الاستثمار، والعقوبات الاقتصادية، والمساعدات الحكومية والدعم، بالإضافة إلى القيود التجارية. هذا المفهوم ليس جديداً تماماً، لكنه اكتسب زخماً كبيراً في السنوات الأخيرة مع تصاعد التوترات التجارية بين القوى الكبرى، وحروب الرسوم الجمركية، والجهود المبذولة لتعطيل سلاسل التوريد العالمية، واستخدام العقوبات كأداة للضغط السياسي، مما يشير إلى تحول من المنافسة الاقتصادية التقليدية إلى شكل أكثر عدوانية من المواجهة.

تأثيرات المواجهة الجيو اقتصادية على الاستقرار العالمي

إن تصاعد المواجهة الجيو اقتصادية يحمل في طياته تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي. على المستوى الاقتصادي، يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي، وزيادة التضخم، واضطرابات في سلاسل التوريد، مما يؤثر سلباً على الشركات والمستهلكين على حد سواء. على المستوى السياسي، قد تزيد هذه المواجهات من حدة التوترات بين الدول، وتعيق التعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ والأوبئة. يمكن أن تؤدي أيضاً إلى تفاقم الفقر وعدم المساواة في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على التجارة والاستثمار الأجنبي، مما يخلق بيئة خصبة للاضطرابات الاجتماعية والسياسية. إن التهديد بتفتيت الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة قد يعيد تشكيل النظام العالمي بطرق غير متوقعة وربما خطيرة.

مخاطر أخرى على المدى القصير والمتوسط

لم يغفل التقرير المخاطر الأخرى التي تهدد العالم. فقد جاء الصراع بين الدول في المرتبة الثانية بين المخاطر التي من المرجح أن تثير أزمة عالمية هذا العام، تليه الظواهر المتعلقة بالطقس المتقلب. وفيما يتعلق بالعامين القادمين، لا تزال المواجهة الجيو اقتصادية هي الخطر الأكبر، حيث ارتفعت من المرتبة التاسعة إلى الأولى مقارنة بالاستطلاع السابق، مما يؤكد على تزايد القلق بشأنها. كما صنفت مخاطر مثل التباطؤ الاقتصادي، والتضخم، وفقاعات الأصول، وعرقلة البنية التحتية المهمة على أنها تنطوي على خطورة عالية، مما يشير إلى بيئة اقتصادية عالمية هشة ومعرضة للصدمات.

التحديات طويلة الأمد: البيئة في الصدارة

على الرغم من التركيز على المخاطر الجيو اقتصادية والاقتصادية على المديين القصير والمتوسط، إلا أن التقرير يذكرنا بأن التحديات البيئية لا تزال هي الأكثر حدة على المدى الطويل. على مدار 10 أعوام، صنف الطقس المتقلب وخسارة التنوع البيئي على أنهما سيكونان الأكثر خطورة من بين المخاطر العالمية. هذا يؤكد على الحاجة الملحة للعمل المناخي والحفاظ على البيئة، حتى في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، فالتحديات البيئية لا تعرف حدوداً ولا يمكن حلها إلا من خلال التعاون الدولي الشامل.

في الختام، يدق تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي ناقوس الخطر، محذراً من أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهة، حيث تتشابك القضايا الاقتصادية والجيوسياسية بشكل معقد. إن الاجتماع السنوي في دافوس، والذي يجمع قادة العالم، يوفر منصة حاسمة لمناقشة هذه التحديات المعقدة والبحث عن حلول جماعية لضمان استقرار وازدهار عالمي مستدام.

spot_imgspot_img