أصدر النائب العام اليمني القاضي قاهر مصطفى، اليوم (الخميس)، قراراً بتشكيل لجنة للتحقيق في جرائم الفار عيدروس الزبيدي. يأتي هذا القرار في خضم صراع معقد تشهده اليمن منذ سنوات، حيث تتنازع قوى متعددة على النفوذ والسيطرة. فبعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في عام 2014، تدخل تحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً. ومع ذلك، لم يقتصر الصراع على جبهة واحدة، بل شهدت الساحة اليمنية بروز قوى أخرى ذات أجندات مختلفة، مما أضاف طبقات من التعقيد إلى المشهد السياسي والأمني.
يُعد عيدروس الزبيدي أحد أبرز هذه الشخصيات، حيث يتزعم المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، مستنداً إلى تاريخ دولتين مستقلتين قبل الوحدة اليمنية عام 1990. وقد لعب المجلس الانتقالي دوراً محورياً في الأحداث الأخيرة، حيث خاضت قواته اشتباكات متكررة مع القوات الحكومية في مناطق جنوبية، رغم كونهما جزءاً من التحالف الأوسع ضد الحوثيين. هذه التوترات الداخلية أدت إلى اتفاقيات لتقاسم السلطة، مثل اتفاق الرياض، التي غالباً ما تواجه تحديات في التنفيذ الكامل وتظل مصدراً للتوترات المستمرة.
وذكرت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» أن اللجنة سيرأسها المحامي العام الأول القاضي فوزي علي سيف سعيد، وتضم كلاً من مدير مكتب النائب العام القاضي الدكتور عيسى قائد سعيد، ورئيس شعبة حقوق الإنسان القاضي علي مبروك علي السالمي، ورئيس شعبة النيابات الجزائية المتخصصة القاضي جمال شيخ أحمد عمير. ويُظهر تشكيل هذه اللجنة رفيعة المستوى جدية الحكومة الشرعية في متابعة هذه التهم.
وأشارت الوكالة إلى أن القرار يخول اللجنة كافة الصلاحيات القانونية، بما في ذلك استدعاء وضبط وإحضار الأشخاص، وتعزيز الأدلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا لأحكام القانون. كما ألزم القرار اللجنة بسرعة إنجاز التحقيق، ورفع تقارير دورية عن مجريات الإجراءات، وعرض نتائج التحقيق فور الانتهاء منها مرفقة بالرأي القانوني. ونص القرار على العمل من تاريخه، ووجه الجهات المختصة بتنفيذه كلٌ فيما يخصه، مما يؤكد على الإطار القانوني الصارم الذي ستعمل اللجنة بموجبه.
ولفت القرار إلى أن اللجنة ستحقق في الوقائع المنسوبة للفار عيدروس الزبيدي، والمتمثلة في الخيانة العظمى بقصد المساس باستقلال الجمهورية، والإضرار بمركزها الحربي والسياسي والاقتصادي، وتشكيل عصابة مسلحة، وارتكاب جرائم قتل بحق ضباط وجنود القوات المسلحة، واستغلال القضية الجنوبية العادلة والإضرار بها، من خلال انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، وتخريب المنشآت والمواقع العسكرية، والاعتداء على السلطات الدستورية، وخرق الدستور ومخالفة القوانين، والمساس بسيادة واستقلال البلاد. هذه التهم تعكس خطورة الأفعال المنسوبة إليه وتأثيرها المحتمل على كيان الدولة.
إن تشكيل هذه اللجنة القضائية يمثل تصعيداً قانونياً وسياسياً كبيراً من قبل الحكومة اليمنية الشرعية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته. وقد يؤدي هذا الإجراء إلى تعميق الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، مما يعقد جهود توحيد الصفوف لمواجهة التحديات المشتركة. كما يبعث برسالة واضحة حول تمسك الحكومة بوحدة الأراضي اليمنية ورفضها لأي محاولات انفصالية، مؤكدة على سيادتها القانونية على كامل التراب اليمني.
على الصعيد الإقليمي، قد يضع هذا القرار المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في موقف حساس، حيث تسعى الرياض لدعم الحكومة الشرعية ووحدة اليمن، بينما يُنظر إلى أبوظبي على أنها داعم رئيسي للمجلس الانتقالي الجنوبي. هذا التطور قد يؤثر على مساعي السلام الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في اليمن، والتي تعاني أصلاً من تعقيدات بالغة وتعدد الأطراف الفاعلة. كما أنه يسلط الضوء على هشاشة الوضع السياسي والأمني في البلاد، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة الإنسانية المستمرة، مما يستدعي مراقبة دقيقة لتداعياته المستقبلية.


