تُعد شواطئ محافظة الوجه، الواقعة على الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، موطناً لواحدة من أروع الظواهر الطبيعية وأكثرها سحراً: “جزيرة الدولفين”. هنا، حيث تتعانق ثلاث جزر صغيرة لتشكّل لوحة بحرية آسرة، تتجلى الحياة البحرية في أبهى صورها، محتضنة تشكيلات مرجانية غنية وبيئة فريدة. وتكتسب هذه المنطقة اسمها من الدلافين التي اتخذتها موطناً دائماً، والتي باتت تُعرف محلياً بـ “أبو سلامة”؛ نسبةً لسلوكها الودود وتعاونها الفطري مع البشر، لتنسج بذلك قصصاً من التعايش السلمي بين الإنسان والطبيعة.
تتمتع منطقة الوجه بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، الذي يُعد واحداً من أغنى البحار بالتنوع البيولوجي في العالم، وكنزاً حقيقياً للشعاب المرجانية البكر. هذا الموقع الفريد يجعلها نقطة جذب للعديد من الكائنات البحرية، بما في ذلك الدلافين التي تجد في مياهها الصافية وبيئتها الهادئة ملاذاً آمناً ومصدراً للغذاء. وتأتي هذه الظاهرة الطبيعية لتؤكد على الأهمية البيئية للمنطقة، وتتوافق مع رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تعزيز السياحة المستدامة والحفاظ على البيئة البحرية، ضمن مشاريع عملاقة مثل مشروع البحر الأحمر ونيوم، التي تسعى لجعل الساحل الغربي وجهة عالمية للسياحة البيئية.
لطالما كانت العلاقة بين صيادي الوجه والدلافين علاقة استثنائية، تتجاوز مجرد التعايش لتصل إلى حد الصداقة والتعاون. يروي شيخ الصيادين في محافظة الوجه، ناصر عبدالله الصالح، لـ«عكاظ»، العديد من القصص التي تبرز هذه العلاقة الفريدة، بدءاً من مساعدة الدلافين للصيادين أثناء الإبحار، وصولاً إلى إنقاذ الغرقى في بعض الأحيان. ويصف الصالح كيف يزداد ظهور الدلافين عندما يكون البحر “حوال” أي صافياً وهادئاً، حيث تلهو مع الصيادين وتتقدم قواربهم بقفزات مرحة وأصوات تشبه الغناء، فيردد الصيادون معها أهازيج شعبية مثل: “سالمة يا سلامة.. رحنا وجينا بالسلامة”. ويؤكد الصالح على أن صيد الدلافين محظور تماماً في عُرف الصيادين، مهما كانت الظروف، وهو ما يعكس تقديراً عميقاً لهذه الكائنات الذكية والودودة.
تتكون “جزيرة الدولفين” من ثلاث جزر متقاربة، كما يوضح عضو هيئة تطوير مدربي الغوص في منظمة PADI، محمد عوض الرشيدي: جزيرة ريخة التي تبعد حوالي 8 كيلومترات عن الشاطئ، وجزيرة أم قشيع الرملية الصغيرة التي تبعد 7 كيلومترات، وجزيرة الظهرة الأجمل التي تبعد 6 كيلومترات عن الساحل. هذه الجزر الثلاث تشكل معاً نظاماً بيئياً متكاملاً يوفر بيئة مثالية للدلافين والكائنات البحرية الأخرى، مما يجعلها وجهة مثالية للغواصين ومحبي الطبيعة البحرية.
تُعد مشاهدة الدلافين وهي ترقص بجانب السفن تجربة بحرية لا تُنسى، يصفها الكابتن البحري محمود محمد الحداد بأنها من أمتع التجارب. يمكن للزوار توثيق لحظات قفزاتها العالية وارتدادها إلى الماء في حركات بهلوانية مرحة. ومع ذلك، يشدد الحداد على ضرورة حفاظ قباطنة السفن على سلامة الدلافين عبر تجنب الاقتراب المفرط منها وتخفيف سرعة السفينة أو تغيير مسارها عند الحاجة، لضمان عدم إزعاجها أو تعريضها للخطر. من جهته، يصف المرشد السياحي خالد محمد الحربي الدلافين بأنها كائنات فضولية وودودة، تميل إلى الاقتراب من قوارب المتنزهين بدافع اللعب والاستطلاع، وينصح بترك مسافة آمنة معها وتجنب لمسها أو مطاردتها، حفاظاً على راحتها وسلامة الجميع.
إن الحفاظ على هذه البيئة البحرية الفريدة والدلافين التي تعيش فيها ليس مجرد واجب بيئي، بل هو استثمار في مستقبل السياحة المستدامة للمملكة. فجزيرة الدولفين في الوجه ليست مجرد معلم طبيعي، بل هي رمز للتعايش السلمي بين الإنسان والطبيعة، ووجهة واعدة تجذب الزوار من كل مكان لاستكشاف جمال البحر الأحمر الخفي، والمساهمة في دعم الاقتصاد المحلي من خلال السياحة البيئية المسؤولة. هذه المبادرات تعزز مكانة المملكة كوجهة رائدة في الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري وتقديم تجارب سياحية فريدة ومستدامة.


