spot_img

ذات صلة

إدانة رئيس كوريا الجنوبية السابق يون سوك يول: 5 سنوات سجن لمحاولة فرض الأحكام العرفية

في تطور قضائي تاريخي وغير مسبوق، أصدرت محكمة سيئول المركزية اليوم (الجمعة) حكماً بالسجن لمدة 5 سنوات بحق الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول، بعد إدانته بمجموعة من التهم الخطيرة المتعلقة بمحاولته فرض الأحكام العرفية بشكل تعسفي في ديسمبر 2024. يمثل هذا الحكم نقطة تحول مفصلية في تاريخ الديمقراطية الكورية الجنوبية، مؤكداً على مبدأ المساءلة القانونية حتى لأعلى المناصب في الدولة.

شملت التهم التي أدين بها يون سوك يول، والتي كشفت عن محاولة واضحة لتقويض النظام الدستوري، عرقلة محاولات السلطات لتنفيذ مذكرة اعتقاله بعد إلغاء الأحكام العرفية، وتزوير وثائق رسمية لإضفاء الشرعية على قراره غير الدستوري. كما تضمنت التهم استخدام حراسه الشخصيين، المعروفين باسم «الحرس الرئاسي»، لمنع اعتقاله، وعدم استشارة مجلس الوزراء كاملاً قبل إعلان الأحكام العرفية، وهو إجراء أساسي يضمن الشفافية والشرعية في مثل هذه القرارات المصيرية.

تعود جذور الأزمة إلى ليلة 3 ديسمبر 2024، عندما فاجأ الرئيس يون سوك يول الرأي العام المحلي والدولي بإعلانه الأحكام العرفية العسكرية. كان هذا الإجراء بمثابة صدمة عميقة للبلاد، حيث كانت هذه هي المرة الأولى التي يُعلن فيها هذا الإجراء في كوريا الجنوبية منذ أكثر من 40 عاماً. برر يون قراره آنذاك بضرورة «مواجهة قوى مناهضة للدولة» و«القضاء على الفوضى السياسية» التي اتهم المعارضة بتصعيدها. إلا أن الإعلان أثار موجة غضب شعبي عارمة، وتظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد، ورد فعل سريع وحاسم من البرلمان الذي ألغى القرار بالإجماع تقريباً في غضون ساعات قليلة، مما عكس رفضاً شعبياً وسياسياً واسع النطاق لأي محاولة للعودة إلى الحكم الاستبدادي.

هذا الحكم يأتي في سياق تاريخي معقد لكوريا الجنوبية، التي شهدت تحولاً ديمقراطياً صعباً بعد عقود من الحكم العسكري. لطالما كانت الأحكام العرفية مرتبطة بفترات مظلمة في تاريخ البلاد، أبرزها انتفاضة غوانغجو عام 1980، حيث قمعت القوات العسكرية المتظاهرين بوحشية، مما يفسر الغضب الشعبي العارم الذي أعقب إعلان يون. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها رئيس كوري جنوبي سابق اتهامات جنائية؛ فقد سبقه رؤساء مثل بارك غيون-هي ولي ميونغ-باك، وحتى تشون دو-هوان وروه تاي-وو الذين حكموا البلاد في فترات سابقة. إلا أن محاولة فرض الأحكام العرفية تمثل سابقة خطيرة تتعلق بالمساس بالأسس الدستورية للدولة بشكل مباشر، مما يجعل قضية يون سوك يول ذات أهمية خاصة.

أعقب إعلان الأحكام العرفية مسار سياسي وقضائي متسارع: تم عزل يون رسمياً من منصبه عبر تصويت برلماني وتأييد من المحكمة الدستورية في أوائل عام 2025، مما أظهر قوة المؤسسات الديمقراطية في البلاد. اعتُقل يون في النهاية بعد مقاومة طويلة، حيث واجه 8 قضايا جنائية منفصلة مرتبطة بالأزمة. من بين هذه القضايا، تبرز تهمة «قيادة تمرد» التي يطالب فيها الادعاء بعقوبة الإعدام، ومن المتوقع صدور حكمها في فبراير 2026، مما يشير إلى أن المعركة القضائية للرئيس السابق لا تزال بعيدة عن نهايتها.

يُعد الحكم الصادر اليوم بمثابة الإدانة القضائية الأولى لرئيس سابق في تاريخ كوريا الجنوبية الديمقراطية الحديثة بهذه الخطورة، ويُشكل سابقة مهمة في محاسبة أعلى سلطة تنفيذية على تجاوزات دستورية. على الصعيد المحلي، يعزز هذا التطور ثقة الشعب في استقلالية القضاء وقدرة المؤسسات الديمقراطية على حماية الدستور من أي محاولات للانقلاب عليه، ويرسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون. كما يبعث برسالة واضحة للقيادات المستقبلية بأن أي محاولة لتقويض الديمقراطية ستواجه بعواقب وخيمة ومساءلة صارمة.

دولياً، تعزز هذه القضية صورة كوريا الجنوبية كدولة ديمقراطية ناضجة وقوية، قادرة على التعامل مع أزماتها السياسية الداخلية بشفافية ومساءلة، مما يعزز ثقة المجتمع الدولي في استقرارها ومؤسساتها. في منطقة تشهد توترات جيوسياسية مستمرة، تبعث هذه الأحداث برسالة واضحة حول التزام كوريا الجنوبية بالقيم الديمقراطية وسيادة القانون، وهو أمر حيوي لاستقرارها وعلاقاتها مع حلفائها وشركائها حول العالم.

spot_imgspot_img